سيد محمد طنطاوي

261

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : وبال يوم السبت ولعنته * ( عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيه ) * ، وهم اليهود ، حيث استحله بعضهم فاصطادوا فيه ، فعذبوا ومسخوا . . وثبت بعضهم على تحريمه فلم يصطد فيه ، فلم يعذبوا . . والقول الأول أقرب إلى الصحة « 1 » . وقال الإمام ابن كثير : وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم - أي أهل الكتاب - أوتوا الكتاب من قبلنا ، ثم هذا يومهم الذي فرض اللَّه عليهم - أي يوم الجمعة - فاختلفوا فيه ، فهدانا اللَّه له ، فالناس لنا فيه تبع ، اليهود غدا والنصارى بعد غد » « 2 » . ثم بين - سبحانه - حكمه العادل فيهم فقال : * ( وإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيه يَخْتَلِفُونَ ) * . أي : وإن ربك - أيها الرسول الكريم - ليحكم بين هؤلاء المختلفين يوم القيامة ، بأن ينزل بهم العقوبة التي يستحقونها بسبب مخالفتهم لنبيهم ، وإعراضهم عن طاعته فيما أمرهم به من تعظيم يوم الجمعة . ويصح أن يكون المعنى : وإن ربك ليحكم بحكمه العادل بين هؤلاء اليهود الذين اختلفوا في شأن يوم السبت ، حيث استحله بعضهم ، وحرمه البعض الآخر ، فيجازى كل فريق بما يستحقه من ثواب أو عقاب . وبذلك نرى الآيات الكريمة قد مدحت إبراهيم - عليه السلام - مدحا عظيما ، وذكرت جانبا من المآثر التي أكرمه اللَّه - تعالى - بها ، وبرأته مما ألصقه به المشركون وأهل الكتاب من تهم باطلة ، ودعاوى كاذبة . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتلك الآيات الجامعة لآداب الدعوة إلى اللَّه ، والهادية إلى مكارم الأخلاق ، فقال - تعالى - : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 125 إلى 128 ] ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِه وهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 125 ) وإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِه ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ( 126 ) واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّه ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 127 ) إِنَّ اللَّه مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ( 128 )

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 605 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 591 .