سيد محمد طنطاوي
260
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أو كان جزء ماله أضيفا أو مثل جزئه فلا تحيفا وقوله - سبحانه - : * ( وما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) * تنزيه لإبراهيم - عليه السلام - عن أي لون من ألوان الإشراك باللَّه - تعالى - . أي : وما كان إبراهيم - عليه السلام - من المشركين مع اللَّه - تعالى - آلهة أخرى لا في عقيدته ولا في عبادته ولا في أي شأن من شؤونه . وفي ذلك رد على المشركين الذين زعموا أنهم على ملة إبراهيم ، ورد - أيضا - على اليهود والنصارى الذين زعموا أن إبراهيم - عليه السلام - كان على ملتهم . قال - تعالى - : ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ « 1 » . وبعد أن بين - سبحانه - حقيقة عقيدة إبراهيم ، ومدحه بجملة من الصفات الجليلة ، وبين جانبا من مظاهر فضله - سبحانه - عليه ، أتبع ذلك ببيان أن تحريم العمل في يوم السبت أمر خاص باليهود ، ولا علاقة له بشريعة إبراهيم أو بشريعة محمد صلى اللَّه عليه وسلم فقال - تعالى - : * ( إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيه . . . ) * . والمراد بالسبت : اليوم المسمى بهذا الاسم ، وأصله - كما يقول ابن جرير - الهدوء والسكوت في راحة ودعة ، ولذلك قيل للنائم مسبوت لهدوئه وسكون جسده واستراحته ، كما قال - جل ثناؤه - : وجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً أي : راحة لأبدانكم . . « 2 » . والكلام على حذف مضاف ، والمعنى : إنما جعل تعظيم يوم السبت ، والتخلي فيه للعبادة ، * ( عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيه ) * وهم اليهود ، حيث أمرهم نبيهم موسى - عليه السلام - بتعظيم يوم الجمعة ، فخالفوه واختاروا السبت . قال الجمل ما ملخصه : قوله - سبحانه - : * ( عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيه ) * أي : خالفوا نبيهم ، حيث أمرهم : أن يعظموا يوم الجمعة بالتفرغ للعبادة فيه ، وشدد عليهم بتحريم الاصطياد فيه : فليس المراد بالاختلاف أن بعضهم رضى ، وبعضهم لم يرض ، بل المراد به امتناع الجميع - حيث قالوا لا نريد يوم الجمعة ، واختاروا السبت . ثم قال : وفي معنى الآية قول آخر . قال قتادة : إن الذين اختلفوا فيه هم اليهود ، حيث استحله بعضهم وحرمه بعضهم ، فعلى هذا القول يكون معنى قوله * ( إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ . . ) * .
--> ( 1 ) سورة آل عمران الآية 67 . ( 2 ) تفسير ابن جرير الطبري ج 1 ص 327 .