سيد محمد طنطاوي
246
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والفعل ضرب في قوله - تعالى - : * ( وضَرَبَ اللَّه مَثَلًا قَرْيَةً . . . ) * متضمن معنى جعل ، ولذا عدى إلى مفعولين . والمثل - بفتح الثاء - بمعنى المثل - بسكونها - أي : النظير والشبيه . ويطلق على القول السائر المعروف ، لمماثلة مضربه - وهو الذي يضرب فيه لمورده الذي ورد فيه ، ثم استعير للصفة والحال كما في الآية التي معنا . والمراد بالقرية : أهلها ، فالكلام على تقدير مضاف . وللمفسرين اتجاهان في تفسير هذه الآية . فمنهم من يرى أن هذه القرية غير معينة ، وإنما هي مثل لكل قوم قابلوا نعم اللَّه بالجحود والكفران . وإلى هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف حيث قال : قوله - تعالى - : * ( وضَرَبَ اللَّه مَثَلًا قَرْيَةً . . . ) * أي : جعل القرية التي هذه حالها مثلا لكل قوم أنعم اللَّه عليهم فأبطرتهم النعمة . فكفروا وتولوا ، فأنزل اللَّه بهم نقمته ، فيجوز أن تراد قرية مقدرة على هذه الصفة ، وأن تكون في قرى الأولين قرية كانت هذه حالها ، فضرب بها اللَّه مثلا لمكة إنذارا من مثل عاقبتها « 1 » . ومنهم من يرى أن المقصود بهذه القرية مكة ، وعلى هذا الاتجاه سار الإمام ابن كثير حيث قال ما ملخصه : هذا مثل أريد به أهل مكة ، فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة ، يتخطف الناس من حولها ، ومن دخلها كان آمنا . . . فجحدت آلاء اللَّه عليها ، وأعظمها بعثة محمد صلى اللَّه عليه وسلم فأذاقها اللَّه لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون « 2 » . ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أقرب إلى الصواب ، لتنكير لفظ قرية ، ولشموله الاتجاه الثاني ، لأنه يتناول كل قرية بدلت نعمة اللَّه كفرا ، ويدخل في ذلك كفار مكة دخولا أوليا . فيكون المعنى : وجعل اللَّه قرية موصوفة بهذه الصفات مثلا لكل قوم أنعم اللَّه عليهم بهذه النعم ، فلم يشكروا اللَّه - تعالى - عليها ، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر . وقوله : * ( كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً ) * أي : كانت تعيش في أمان لا يشوبه خوف ، وفي سكون واطمئنان لا يخالطهما فزع أو انزعاج : . وقوله : * ( يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ ) * بيان لسعة عيشها ، أي : يأتيها ما يحتاج إليه أهلها واسعا لينا سهلا من كل مكان من الأمكنة .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 639 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 589 .