سيد محمد طنطاوي

247

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

يقال : رغد - بضم الغين - عيش القوم ، أي : اتسع وطاب فهو رغد ورغيد . . . وأرغد القوم ، أي : أخصبوا وصاروا في رزق واسع . فالآية الكريمة قد تضمنت أمهات النعم : الأمان والاطمئنان ورغد العيش . قال بعضهم : ثلاثة ليس لها نهاية الأمن والصحة والكفاية وقوله - تعالى - : * ( فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّه ) * بيان لموقفها الجحودى من نعم اللَّه - تعالى - أي : فكان موقف أهل هذه القرية من تلك النعم الجليلة ، أنهم جحدوا هذه النعم ، ولم يقابلوها بالشكر ، وإنما قابلوها بالإشراك باللَّه - تعالى - مسدي هذه النعم . قال القرطبي : « والأنعم : جمع النّعمة . كالأشد جمع الشّدة ، وقيل : جمع نعمى ، مثل بؤسى وأبؤس » . وقوله - سبحانه - : * ( فَأَذاقَهَا اللَّه لِباسَ الْجُوعِ والْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ) * بيان للعقوبة الأليمة التي حلت بأهلها بسبب كفرهم وبطرهم . أي : فأذاق - سبحانه - أهلها لباس الجوع والخوف ، بسبب ما كانوا يصنعونه من الكفر والجحود والعتو عن أمر اللَّه ورسله . وذلك بأن أظهر أثرهما عليهم بصورة واضحة ، تجعل الناظر إليهم لا يخفى عليه ما هم فيه من فقر مدقع ، وفزع شديد . ففي الجملة الكريمة تصوير بديع لما أصابهم من جوع وخوف ، حتى لكأن ما هم فيه من هزال وسوء حال ، يبدو كاللباس الذي يلبسه الإنسان ، ويجعلهم يذوقون هذا اللباس ذوقا يحسون أثره إحساسا عميقا . ورحم اللَّه صاحب الكشاف فقد أجاد في تصوير هذا المعنى فقال : « فإن قلت : الإذاقة واللباس استعارتان فما وجه صحتهما ؟ والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار ، فما وجه صحة إيقاعها عليه ؟ . قلت : أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمس الناس منها . فيقولون : ذاق فلان البؤس والضر ، وأذاقه العذاب . شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من الطعم المر البشع . وأما اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس ، ما غشى الإنسان والتبس به من بعض الحوادث .