سيد محمد طنطاوي

241

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فقال صلى اللَّه عليه وسلم : « كلا ، إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه » . فأتى عمار رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وهو يبكى ، فجعل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يمسح عينيه وقال له : « مالك ، إن عادوا فعد لهم بما قلت » . وفي رواية أنه قال له : « كيف تجد قلبك ؟ قال مطمئن بالإيمان قال صلى اللَّه عليه وسلم إن عادوا فعد » . فنزلت هذه الآية . . ثم قال الآلوسي : والآية دليل على جواز التكلم بكلمة الكفر عند الإكراه ، وإن كان الأفضل أن يتجنب عن ذلك إعزازا للدين ولو تيقن القتل ، كما فعل ياسر وسمية ، وليس ذلك من إلقاء النفس إلى التهلكة ، بل هو كالقتل في الغزو كما صرحوا به . « 1 » . و « من » في قوله * ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّه ) * مبتدأ أو شرطية ، والخبر أو جواب الشرط محذوف والتقدير : فعليه غضب من اللَّه ، أو فله عذاب شديد ، ويدل عليهما قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( ولكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّه ) * . والمعنى : من كفر باللَّه - تعالى - من بعد إيمانه بوحدانيته - سبحانه - وبصدق رسوله صلى اللَّه عليه وسلم فإنه بسبب هذا الكفر يكون قد ضل ضلالا بعيدا ، يستحق من أجله العذاب المهين . وقوله : * ( إِلَّا مَنْ أُكْرِه وقَلْبُه مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ ) * استثناء متصل من الجملة السابقة أي : إلا من أكره على النطق بكلمة الكفر ، والحال أن قلبه مطمئن بالإيمان ، ثابت عليه ، متمكن منه . . فإنه في هذه الحالة لا يكون ممن يستحقون عقوبة المرتد . قال بعض العلماء : وأما قوله : * ( إِلَّا مَنْ أُكْرِه وقَلْبُه مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ ) * فهو استثناء متصل من « من » لأن الكفر أعم من أن يكون اعتقادا فقط ، أو قولا فقط ، أو اعتقادا وقولا . . . وأصل الاطمئنان سكون بعد انزعاج ، والمراد به هنا : السكون والثبات على الإيمان بعد الانزعاج الحاصل بسبب الإكراه . . « 2 » . وقوله : * ( ولكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّه ولَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) * بيان لسوء مصير من استحب الكفر على الإيمان باختياره ورضاه . و « من » في قوله * ( مَنْ شَرَحَ ) * شرطية ، وجوابها * ( فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّه ) * . أي : حكم من تلفظ بكلمة الكفر مكرها أنه لا يعتبر مرتدا ، ولكن حكم من طابت

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 237 . ( 2 ) تفسير آيات الأحكام ج 3 ص 54 .