سيد محمد طنطاوي

242

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

نفوسهم بالكفر ، وانشرحت له صدورهم ، واعتقدوا صحته ، أنهم عليهم من اللَّه - تعالى - غضب شديد لا يعلم مقداره إلا هو ، ولهم يوم القيامة عذاب عظيم الهول ، يتناسب مع عظيم جرمهم . هذا ، وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأخبار التي حكت ما تعرض له المسلمون الأولون من فتن وآلام . فقال ما ملخصه : ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالى إبقاء لمهجته ، ويجوز له أن يأبى كما كان بلال - رضى اللَّه عنه - يأبى عليهم ذلك ، وهم يفعلون به الأفاعيل ، حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر ويأمرونه بالشرك باللَّه ، فيأبى عليهم وهو يقول : أحد ، أحد ، ويقول : واللَّه لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الآخِرَةِ ) * بيان للأسباب التي جعلتهم محل غضب اللَّه ونقمته . واسم الإشارة « ذلك » يعود إلى كفرهم بعد إيمانهم ، أو إلى ما توعدهم اللَّه - تعالى - به من غضب عليهم ، وعذاب عظيم لهم . أي : ذلك الذي جعلهم يرتدون عن دينهم ، ويكونون محل غضب اللَّه ونقمته ، من أسبابه أنهم آثروا الحياة الدنيا وشهواتها على الآخرة وما فيها من ثواب . * ( وأَنَّ اللَّه ) * - تعالى - * ( لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) * إلى الصراط المستقيم ، لأنهم حين زاغوا عن الحق أزاغ اللَّه قلوبهم . ثم أضاف - سبحانه - إلى رذائلهم رذيلة أخرى فقال : * ( أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّه عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأَبْصارِهِمْ وأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ) * . والطبع : الختم والوسم بطابع ونحوه على الشيء ، لكي لا يخرج منه ما هو بداخله ، ولا يدخل فيه ما هو خارج عنه . أي : أولئك الذين شرحوا صدورهم بالكفر ، وطابوا به نفسا ، قد طبع اللَّه تعالى على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ، فصارت ممنوعة من وصول الحق إليها ، وعاجزة عن الانتفاع به ، وأولئك هم الكاملون في الغفلة والبلاهة ، إذ لا غفلة أشد من غفلة المعرض عن عاقبة أمره ، ولا بلاهة أفدح من بلاهة من آثر الفانية على الباقية .

--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 587 .