سيد محمد طنطاوي

239

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( يُلْحِدُونَ ) * من الإلحاد بمعنى الميل . يقال لحد وألحد ، إذا مال عن القصد ، وسمى الملحد بذلك ، لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها . والأعجمي : نسبة إلى الأعجم : وهو الذي لا يفصح في كلامه سواء أكان من العرب أم من العجم . وزيدت فيه ياء النسب على سبيل التوكيد . والمعنى : لقد كذبتم - أيها المشركون - كذبا شنيعا صريحا ، حيث زعمتم أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يعلمه القرآن بشر ، مع أن لغة هذا الإنسان الذي زعمتم أنه يعلم الرسول صلى اللَّه عليه وسلم لغة أعجمية ، ولغة هذا القرآن لغة عربية في أعلى درجات البلاغة والفصاحة ، فقد أعجزكم بفصاحته وبلاغته ، وتحداكم وأنتم أهل اللسن والبيان أن تأتوا بسورة من مثله . فخبروني بربكم ، من أين للأعجمى أن يذوق بلاغة هذا التنزيل وما حواه من العلوم ، فضلا عن أن ينطق به ، فضلا عن أن يكون معلما له ! ! . ثم هدد - سبحانه - المعرضين عن آياته بقوله : * ( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّه ) * الدالة على وحدانيته - سبحانه - وعلى صدق نبيه صلى اللَّه عليه وسلم فيما يبلغه عنه . * ( لا يَهْدِيهِمُ اللَّه ) * إلى طريق الحق في الدنيا ، بسبب زيغهم وعنادهم وإيثارهم الغي على الرشد . * ( ولَهُمْ ) * في الآخرة عذاب أليم جزاء إصرارهم على الباطل ، وإعراضهم عن الآيات التي لو تأملوها واستجابوا لها لاهتدوا إلى الصراط المستقيم . ثم بين - سبحانه - أن افتراء الكذب لا يصدر عن المؤمنين فضلا عن الرسول الأمين ، وإنما يصدر عن الكافرين فقال - تعالى - : * ( إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ ) * أي : يختلقه ويخترعه * ( الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّه ) * الدالة على وحدانيته وعلى وجوب إخلاص العبادة له ، وعلى صدق رسله ، وعلى صحة البعث يوم القيامة ، لأن عدم إيمانهم بذلك يجعلهم لا يخافون عقابا ، ولا يرجون ثوابا . * ( وأُولئِكَ ) * الكافرون بما يجب الإيمان به * ( هُمُ الْكاذِبُونَ ) * في قولهم عن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم إنما يعلمه بشر ، وفي قولهم * ( إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ ) * وفي غير ذلك من أقوالهم الباطلة ، التي حاربوا بها دعوة الحق . قال بعض العلماء : ولا يخفى ما في الحصر بعد القصر من العناية بمقامه - صلوات اللَّه عليه - ، وقد كان أصدق الناس وأبرهم . . بحيث كانوا يلقبونه بالصادق الأمين . ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان فقال له - من بين ما قال - : هل كنتم تتهمونه