سيد محمد طنطاوي
238
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وفي قوله * ( مِنْ رَبِّكَ ) * تكريم وتشريف للرسول صلى اللَّه عليه وسلم حيث اختص - سبحانه - هذا النبي الكريم بإنزال القرآن عليه ، بعد أن رباه برعايته ، وتولاه بعنايته . وقوله * ( بِالْحَقِّ ) * في موضع الحال ، أي : نزله إنزالا ملتبسا بالحكمة المقتضية له ، بحيث لا يفارقها ولا تفارقه . وقوله : * ( لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدىً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ) * بيان للوظيفة التي من أجلها نزل القرآن الكريم ، وهي وظيفة تسعد المؤمنين وحدهم ، أما الكافرون فهم بعيدون عنها . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك مقولة أخرى من مقولات المشركين فقال - تعالى - : * ( ولَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُه بَشَرٌ . . . ) * . قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : يقول - تعالى - مخبرا عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء : إن محمدا صلى اللَّه عليه وسلم إنما يعلمه هذا الذي يتلوه علينا من القرآن بشر ، ويشيرون إلى رجل أعجمي كان بياعا يبيع عند الصفا ، وربما كان النبي صلى اللَّه عليه وسلم يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء ، وذاك كان أعجمي اللسان لا يعرف إلا اليسير من العربية . وعن عكرمة وقتادة كان اسم ذلك الرجل « يعيش » ، وعن ابن عباس كان اسمه « بلعام » ، وكان أعجمي اللسان ، وكان المشركون يرون رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يدخل عليه ويخرج من عنده ، فقالوا : إنما يعلمه بلعام ، فأنزل اللَّه هذه الآية « 1 » . والمعنى : ولقد نعلم - أيها الرسول الكريم - علما مستمرا لا يعزب عنه شيء مما يقوله المشركون في شأنك ، من أنك تتعلم القرآن من واحد من البشر . قال الآلوسي : وإنما لم يصرح القرآن باسم من زعموا أنه يعلمه - عليه الصلاة والسلام - مع أنه أدخل في ظهور كذبهم ، للإيذان بأن مدار خطئهم ، ليس بنسبته صلى اللَّه عليه وسلم إلى التعلم من شخص معين ، بل من البشر كائنا من كان ، مع كونه صلى اللَّه عليه وسلم معدنا لعلوم الأولين والآخرين « 2 » . وقوله - تعالى - : * ( لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْه أَعْجَمِيٌّ ، وهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) * رد عليهم فيما زعموه وافتروه . والمراد باللسان هنا : الكلام الذي يتكلم به الشخص ، واللغة التي ينطق بها .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 586 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 233 .