سيد محمد طنطاوي
227
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ويجوز أن يعود إلى ما أمر اللَّه به من الوفاء بالعهد ، فيكون المعنى : إنما يبلوكم اللَّه ويختبركم بما أمركم به من الوفاء بالعهود ، ومن النهى عن النقض ليظهر لكم المطيع من العاصي ، وقوى الإيمان من ضعيفه . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان أن مرد الفصل بين العباد فيما اختلفوا فيه إليه - تعالى - وحده ، فقال : * ( ولَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيه تَخْتَلِفُونَ ) * فيجازى أهل الحق بما يستحقون من ثواب ، ويجازى أهل الباطل بما هم أهله من عقاب . ثم بين - سبحانه - أن قدرته لا يعجزها شيء فقال - تعالى - : * ( ولَوْ شاءَ اللَّه لَجَعَلَكُمْ ) * أيها الناس * ( أُمَّةً واحِدَةً ) * متفقة على الحق * ( ولكِنْ ) * لحكم يعلمها ولا تعلمونها ، ولسنن وضعها في خلقه * ( يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ) * إضلاله لاستحبابه العمى على الهدى ، وإيثاره الغي على الرشد * ( ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) * هدايته لحسن استعداده ، وسلامة اختياره ، ونهيه النفس عن الهوى . * ( ولَتُسْئَلُنَّ ) * أيها الناس يوم القيامة سؤال محاسبة ومجازاة * ( عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) * في الدنيا ، فيثيب الطائعين بفضله ، ويعاقب العصاة بعدله . وبعد أن أمر - سبحانه - بالوفاء بالعهود ونهى عن نقضها بصفة عامة ، أتبع ذلك بالنهى عن الحنث في الإيمان بصفة خاصة ، فقال تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 94 إلى 97 ] ولا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّه ولَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 94 ) ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّه ثَمَناً قَلِيلًا إِنَّما عِنْدَ اللَّه هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 95 ) ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّه باقٍ ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 96 ) مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّه حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 97 )