سيد محمد طنطاوي
228
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فقوله - سبحانه - * ( ولا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ ) * تصريح بالنهى عن اتخاذ الإيمان من أجل الغش والخديعة ، بعد النهى عن نقض العهود بصفة عامة . أي : ولا تتخذوا - أيها المؤمنون - الحلف باللَّه - تعالى - ذريعة إلى غش الناس وخداعهم واستلاب حقوقهم ، فقد جرت عادة الناس أن يطمئنوا إلى صدق من يقسم باللَّه - تعالى - ، فلا تجعلوا هذا الاطمئنان وسيلة للكذب عليهم ، ولإفساد ما بينكم وبينهم من مودة . ثم رتب - سبحانه - على هذا النهى ما من شأنه أن يردع النفوس عن اتخاذ الأيمان دخلا فقال : * ( فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها ) * وأصل الزلل الخروج عن الطريق السليم . يقال : زل فلان يزل زللا وزلولا ، إذا دحضت قدمه ولم تصب موضعها الصحيح أي : لا تتخذوا أيمانكم وسيلة للخديعة والإفساد بين الناس ، فتزل أقدامكم عن طريق الإسلام بعد ثبوتها عليها ، ورسوخها فيها ، قالوا : والجملة الكريمة مثل يضرب لكل من وقع في بلية ومحنة ، بعد أن كان في عافية ونعمة . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم وحدت القدم ونكرت ؟ قلت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق . بعد أن ثبتت عليه ، فكيف بأقدام كثيرة « 1 » ؟ . وقوله * ( وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّه ) * بيان لما يصيبهم من عذاب دنيوي بسبب اتخاذ أيمانهم دخلا بينهم . أي : وتذوقوا السوء وهو العذاب الدنيوي من المصائب والخوف والجوع ، بسبب صدودكم وإعراضكم عن أوامر اللَّه ونواهيه ، أو بسبب صدكم لغيركم عن الدخول في دين اللَّه ، حيث رأى منكم ما يجعله ينفر منكم ومن دينكم . والتعبير بتذوقوا فيه إشارة إلى أن العذاب الدنيوي الذي سينزل بهم بسبب اتخاذهم أيمانهم دخلا بينهم ، سيكون عذابا شديدا يحسون آلامه إحساسا واضحا ، كما يحس الشارب للشيء المر مرارته ، ويتذوق آلامه .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 427 .