سيد محمد طنطاوي

220

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ما فيه هلاكها . . وأما العدل بينه وبين غيره فبذل النصيحة ، وترك الخيانة فيما قل أو كثر ، والإنصاف من نفسك لهم بكل وجه . وأما الإحسان فهو مصدر أحسن يحسن إحسانا . ويقال على معنيين : أحدهما : متعد بنفسه ، كقولك : أحسنت كذا ، أي : حسنته وأتقنته وكملته ، وهو منقول بالهمزة من حسن الشيء . وثانيهما : متعد بحرف جر ، كقولك : أحسنت إلى فلان ، أي : أوصلت إليه ما ينتفع به . وهو في هذه الآية مراد بالمعنيين معا . . « 1 » . ومن هذا الكلام الذي نقلناه بشيء من التلخيص عن الإمام القرطبي ، يتبين لنا أن العدل هو أن يلتزم الإنسان جانب الحق والقسط في كل أقواله وأعماله ، وأن الإحسان يشمل إحسان الشيء في ذاته سواء أكان هذا الشيء يتعلق بالعقائد أم بالعبادات أم بغيرهما ، كما يشمل إحسان المسلم إلى غيره . فالإحسان أوسع مدلولا من العدل : لأنه إذا كان العدل معناه : أن تعطى كل ذي حق حقه ، بدون إفراط أو تفريط ، فإن الإحسان يندرج تحته أن تضيف إلى ذلك : العفو عمن أساء إليك ، والصلة لمن قطعك ، والعطاء لمن حرمك . وإيثار صيغة المضارع في قوله : * ( إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ . . . ) * لإفادة التجدد والاستمرار . ولم يذكر - سبحانه - متعلقات العدل والإحسان ليعم الأمر جميع ما يعدل فيه ، وجميع ما يجب إحسانه وإتقانه من أقوال وأعمال ، وجميع ما ينبغي أن تحسن إليه من إنسان أو حيوان أو غيرهما . وقوله - تعالى - : * ( وإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ) * فضيلة ثالثة معطوفة على ما قبلها من عطف الخاص على العام ، إذ هي مندرجة في العدل والإحسان . وخصها - سبحانه - بالذكر اهتماما بأمرها ، وتنويها بشأنها ، وتعظيما لقدرها . والإيتاء : مصدر بمعنى الإعطاء ، وهو هنا مصدر مضاف لمفعوله . والمعنى : إن اللَّه - تعالى - يأمركم - أيها المسلمون - أمرا دائما وواجبا ، أن تلتزموا الحق والإنصاف في كل أقوالكم وأفعالكم وأحكامكم ، وأن تلتزموا التسامح والعفو والمراقبة للَّه - تعالى - في كل أحوالكم . كما يأمركم أن تقدموا لأقاربكم على سبيل المعاونة والمساعدة ، ما تستطيعون تقديمه لهم من خير وبر . .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 166 .