سيد محمد طنطاوي
221
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
لأن هذه الفضائل متى سرت بينكم ، نلتم السعادة في دينكم ودنياكم ، إذ بالعدل ينال كل صاحب حق حقه ، وبالإحسان يكون التحاب والتواد والتراحم ، وبصلة الأقارب يكون التكافل والتعاون . . . وبعد أن أمر - سبحانه - بأمهات الفضائل ، نهى عن رؤس الرذائل فقال - تعالى - : * ( ويَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ والْبَغْيِ . . ) * . والفحشاء : كل ما اشتد قبحه من قول أو فعل . وخصها بعضهم بالزنا . والمنكر : كل ما أنكره الشرع بالنهى عنه ، فيعم جميع المعاصي والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها . والبغي : هو تجاوز الحد في كل شيء يقال : بغى فلان على غيره ، إذا ظلمه وتطاول عليه . وأصله من بغى الجرح إذا ترامى إليه الفساد . . . أي : كما أمركم - سبحانه - بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، فإنه - تعالى - ينهاكم عن كل قبيح وعن كل منكر ، وعن كل تجاوز لما شرعه اللَّه - عز وجل - . وذلك لأن هذه الرذائل ما شاعت في أمة إلا وكانت عاقبتها خسرا ، وأمرها فرطا ، والفطرة البشرية النقية تأبى الوقوع أو الاقتراب من هذه الرذائل ، لأنها تتنافى مع العقول السليمة ، ومع الطباع القويمة . ومهما روج الذين لم ينبتوا نباتا حسنا لتلك الرذائل ، فإن النفوس الطاهرة ، تلفظها بعيدا عنها ، كما يلفظ الجسم الأشياء الغريبة التي تصل إليه . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) * أي : ينبهكم - سبحانه - أكمل تنبيه وأحكمه إلى ما يصلحكم عن طريق اتباع ما أمركم به وما نهاكم عنه ، لعلكم بذلك تحسنون التذكر لما ينفعكم ، وتعملون بمقتضى ما علمكم - سبحانه . هذا ، وقد ذكر المفسرون في فضل هذه الآية كثيرا من الآثار والأقوال ، ومن ذلك ما أخرجه الحافظ أبو يعلى في كتاب معرفة الصحابة . . قال : بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي صلى اللَّه عليه وسلم فأراد أن يأتيه ، فأبى قومه أن يدعوه وقالوا له : أنت كبيرنا لم تكن لتخف إليه . قال : فليأته من يبلغه عنى ويبلغني عنه . فانتدب رجلان فأتيا النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقالا له : نحن رسل أكثم بن صيفي وهو يسألك من أنت وما أنت ؟ فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « أما أنا فمحمد ابن عبد اللَّه ، وأما ما أنا ، فأنا عبد اللَّه ورسوله » .