سيد محمد طنطاوي
213
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما معنى « ثم » هذه ؟ . قلت : معناها أنهم يبتلون بعد شهادة الأنبياء بما هو أطم منها ، وهو أنهم يمنعون الكلام ، فلا يؤذن لهم في إلقاء معذرة ولا إدلاء بحجة « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( ولا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) * تيئيس آخر لهم في الحصول على شيء من رحمة اللَّه - تعالى - . أي : لا يؤذن لهم في الاعتذار ، ولا يقبل منهم أن يزيلوا عتب ربهم ، أي : غضبه وسخطه عليهم ، لأن العتاب إنما يطلب لأجل معاودة الرضا من العاتب ، وهؤلاء قد انسد عليهم هذا الطريق ، لأن اللَّه - تعالى - قد سخط عليهم سخطا لا مجال لإزالته ، بعد أن أصروا على كفرهم في الدنيا وماتوا على ذلك . قال القرطبي : قوله * ( ولا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) * أي لا يكلفون أن يرضوا ربهم لأن الآخرة ليست بدار تكليف ، ولا يتركون إلى رجوع الدنيا فيتوبون . وأصل الكلمة من العتب - بفتح العين وسكون التاء - وهي الموجدة . يقال : عتب عليه يعتب ، إذا وجد عليه ، فإذا فاوضه فيما عتب عليه فيه ، قيل : عاتبه ، فإذا رجع إلى مسرتك فقد أعتب ، والاسم العتبى ، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضى العاتب . قال النابغة : فإن كنت مظلوما فعبدا ظلمته وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب « 2 » وبذلك ترى الآية الكريمة قد نفت عن الذين كفروا قبول أعذارهم ، وقبول محاولتهم إرضاء ربهم عما كانوا عليه من كفر وزيغ في الدنيا . ثم نفى - سبحانه - عنهم - أيضا - تخفيف العذاب أو تأخيره فقال : * ( وإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ولا هُمْ يُنْظَرُونَ ) * . أي : وإذا أبصر الذين ظلموا العذاب الذي أعد لهم في الآخرة بسبب ظلمهم وكفرهم في الدنيا ، فزعوا وخافوا ، ولكن خوفهم وفزعهم لن يغير من الأمر شيئا ، إذ لا يخفف عنهم العذاب بسبب خوفهم أو فزعهم : ولا هم يمهلون أو يؤخرون عنه .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 626 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 162 .