سيد محمد طنطاوي
212
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الإمام الرازي : اعلم أنه - تعالى - لما بين حال القوم ، أنهم عرفوا نعمة اللَّه ثم أنكروها ، وذكر أيضا من حالهم أن أكثرهم الكافرون أتبعه بالوعيد ، فذكر حال يوم القيامة فقال : . * ( ويَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً . . . ) * وذلك يدل على أن أولئك الشهداء يشهدون عليهم بذلك الإنكار ، وبذلك الكفر ، والمراد بهؤلاء الشهداء : الأنبياء ، كما قال - تعالى - : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً « 1 » . والمعنى : واذكر - أيها العاقل لتعتبر وتتعظ - * ( يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ ) * أي : جماعة من الناس ، « شهيدا » يشهد للمؤمن بالإيمان ويشهد على الكافر بالكفر . قال ابن عباس : شهيد كل أمة نبيها يشهد لهم بالإيمان والتصديق ، وعليهم بالكفر والتكذيب . وقوله : * ( ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) * بيان للمصير السيئ الذي ينتظر هؤلاء الكافرين يوم القيامة . أي : ثم لا يؤذن للذين كفروا يوم القيامة في الاعتذار ، عما كانوا عليه في الدنيا من عقائد زائفة ، وأقوال باطلة ، وأفعال قبيحة ، كما قال - تعالى - في سورة أخرى : هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ . ولا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ « 2 » . أو المعنى : ثم لا يؤذن لهم في الرجوع إلى الدنيا ليتداركوا ما فاتهم من عقائد سليمة وأعمال صالحة ، لأنهم قد تركوها ولا عودة لهم إليها . أي : ثم لا يؤذن لهم في الكلام ، بعد أن ثبت بطلانه ، وقامت عليهم الحجة والتعبير بثم للاشعار بأن مصيبتهم بسبب عدم قبول أعذارهم ، أشد من مصيبتهم بسبب شهادة الأنبياء عليهم .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 342 . ( 2 ) سورة المرسلات الآيتان 36 ، 37 .