سيد محمد طنطاوي
20
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقال الآلوسي : ما ملخصه : « ولا يخفى ما في سبك الجملتين - * ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ، وإِنَّا لَه لَحافِظُونَ ) * من الدلالة على كمال الكبرياء والجلالة ، وعلى فخامة شأن التنزيل ، وقد اشتملتا على عدة من وجوه التأكيد . و * ( نَحْنُ ) * ليس ضمير فصل لأنه لم يقع بين اسمين ، وإنما هو إما مبتدأ أو توكيد لاسم إن . والضمير في * ( لَه ) * للقرآن كما هو الظاهر ، وقيل هو للنبي صلى اللَّه عليه وسلم . . . » « 1 » . هذا ونحن ننظر في هذه الآية الكريمة ، من وراء القرون الطويلة منذ نزولها فنرى أن اللَّه - تعالى - قد حقق وعده في حفظ كتابه ، ومن مظاهر ذلك : 1 - أن ما أصاب المسلمين من ضعف ومن فتن ، ومن هزائم ، وعجزوا معها عن حفظ أنفسهم وأموالهم وأعراضهم . . هذا الذي أصابهم في مختلف الأزمنة والأمكنة ، لم يكن له أي أثر على قداسة القرآن الكريم ، وعلى صيانته من أي تحريف . ومن أسباب هذه الصيانة أن اللَّه - تعالى - قيض له في كل زمان ومكان ، من أبناء هذه الأمة ، من حفظه عن ظهر قلب ، فاستقر بين الأمة بمسمع من النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، وصار حفاظه بالغين عدد التواتر في كل مصر وفي كل عصر . قال الفخر الرازي : فإن قيل : فلما ذا اشتغل الصحابة بجمع القرآن في المصحف ، وقد وعد اللَّه بحفظه ، وما حفظه اللَّه فلا خوف عليه ؟ فالجواب : أن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ اللَّه - تعالى - إياه ، فإنه - سبحانه - لما أن حفظه قيضهم لذلك . . . » « 2 » . 2 - أن أعداء هذا الدين - سواء أكانوا من الفرق الضالة المنتسبة للإسلام أم من غيرهم - امتدت أيديهم الأثيمة إلى أحاديث النبي صلى اللَّه عليه وسلم فأدخلوا فيها ما ليس منها . . . وبذل العلماء العدول الضابطون ما بذلوا من جهود لتننقية السنة النبوية مما فعله هؤلاء الأعداء . . ولكن هؤلاء الأعداء ، لم يقدروا على شيء واحد ، وهو إحداث شيء في هذا القرآن ، مع أنهم وأشباههم في الضلال ، قد أحدثوا ما أحدثوا في الكتب السماوية السابقة . .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 15 . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 160 .