سيد محمد طنطاوي

207

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وفي قوله - تعالى - « مسخرات » إشارة إلى أن طيرانها في الجو ليس بمقتضى طبعها ، وإنما هو بتسخير اللَّه تعالى لها وبسبب ما أوجد لها من حواس ساعدتها على ذلك ، كالأجنحة وغيرها . وأضاف - سبحانه - الجو إلى السماء لارتفاعه عن الأرض ، ولإظهار كمال قدرته - سبحانه - . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) * . أي : إن في ذلك التسخير والتذليل للطير على هذه الصفة « لآيات » بينات على قدرة اللَّه - تعالى - ووحدانيته ، « لقوم يؤمنون » بالحق ، ويفتحون قلوبهم له ويسمون بأنفسهم عن التقليد الباطل . ثم ساقت السورة الكريمة ألوانا من النعم ، منها ما يتعلق بنعمة المسكن فقال - تعالى - : * ( واللَّه جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً . . . ) * . قال القرطبي : قوله - تعالى - : * ( جَعَلَ لَكُمْ ) * معناه صير ، وكل ما علاك فأظلك فهو سقف وسماء ، وكل ما أقلك فهو أرض ، وكل ما سترك من جهاتك الأربع فهو جدار ، فإذا انتظمت واتصلت فهو بيت ، وهذه الآية فيها تعديد نعم اللَّه تعالى على الناس في البيوت وقوله : « سكنا » أي : تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة . . . « 1 » . والحق أن نعمة السكن في البيوت والاستقرار فيها ، والشعور بداخلها بالأمان والاطمئنان ، هذه النعمة لا يقدرها حق قدرها ، إلا أولئك الذين فقدوها ، وصاروا يعيشون بلا مأوى يأويهم ، أو منزل يجمع شتاتهم . والتعبير بقوله عز وجل * ( سَكَناً ) * فيه ما فيه من السمو بمكانة البيوت التي يسكنها الناس . فالبيت مكان السكينة النفسية ، والراحة الجسدية ، هكذا يريده الإسلام ، ولا يريده مكانا للشقاق والخصام ، لأن الشقاق والخصام ينافي كونه « سكنا » . والبيت له حرمته التي جعل الإسلام من مظاهرها ، عدم اقتحامه بدون استئذان ، وعدم التطلع إلى ما بداخله ، وعدم التجسس على من بداخله . وصيانة حرمة البيت - كما أمر الإسلام - تجعله « سكنا » آمنا ، يجد فيه أصحابه كل ما يريدون من الراحة النفسية والشعورية .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 152 .