سيد محمد طنطاوي
208
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - تعالى - : * ( وجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ويَوْمَ إِقامَتِكُمْ ) * بيان لنعمة أخرى تتمثل في البيوت الخفيفة المتنقلة ، بعد الحديث عن البيوت الثابتة المستقرة . والأنعام : جمع نعم . وتشمل الإبل والبقر والغنم ، ويدخل في الغنم المعز . والظعن بسكون العين وفتحها : التحول والانتقال والرحيل من مكان إلى آخر طلبا للكلأ ، أو لمساقط الغيث ، أو لغير ذلك من الأغراض . أي : ومن نعمه أيضا أنه أوجد لكم من جلود الأنعام بيوتا « تستخفونها » أي : تجدونها خفيفة « يوم ظعنكم » أي : يوم سفركم ورحيلكم من موضع إلى آخر « ويوم إقامتكم » في مكان معين بحيث يمكنكم أن تنصبوها لترتاحوا بداخلها ، بأيسر السبل ، وذلك كالقباب والخيام والأخبية ، وغير ذلك من البيوت التي يخف حملها . ثم ختم - سبحانه - الآية بإبراز نعمة ثالثة ، تتمثل فيما يأخذونه من الأنعام فقال - تعالى - : * ( ومِنْ أَصْوافِها وأَوْبارِها ، وأَشْعارِها ، أَثاثاً ومَتاعاً إِلى حِينٍ ) * . والأثاث : متاع البيت الكثير ، وأصله من أث الشيء - بفتح الهمزة وتشديد الثاء مع الفتح - إذا كثر وتكاتف ، ومنه قول الشاعر . وفرع يزين المتن أسود فاحم أثيت كقنو النخلة المتعثكل « 1 » ويشمل جميع أصناف المال كالفرش وغيرها . والمتاع : ما يتمتع به من حوائج البيت الخاصة كأدوات الطعام والشراب ، فيكون عطف المتاع على الأثاث من عطف الخاص على العام . وقيل : هما بمعنى واحد . والعطف لتنزيل تغاير اللفظ بمنزله تغاير المعنى . أي : ومن أصواف الغنم ، وأوبار الإبل ، وأشعار المعز ، تتخذون لأنفسكم « أثاثا » كثيرا تستعملونه في مصالحكم المتنوعة ، كما تتخذون من ذلك ما تتمتعون به في بيوتكم وفي معاشكم « إلى حين » أي : إلى وقت معين قدره اللَّه - تعالى - لكم في تمتعكم بهذه الأصواف والأوبار والأشعار . وبعد الحديث عن نعمة البيوت والأنعام جاء الحديث عن نعمة الظلال والجبال واللباس ،
--> ( 1 ) الفرع : الشعر التام : والمتن : ما عن يمين الرأس وشماله ، والفاحم : الشديد السواد . والأثيت : الكثير المتكاثف . والمتعثكل : الذي دخل بعضه في بعض لكثرته ( راجع تفسير القرطبي ج 10 ص 154 ) .