سيد محمد طنطاوي
200
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الحر ينفق على غيره من هذا الرزق الحسن « سرا وجهرا » واختار - سبحانه - ضمير العظمة في قوله * ( رَزَقْناه ) * للإشعار بكثرة هذا الرزق وعظمته ، ويزيده كثرة وعظمة قوله - تعالى - بعد ذلك * ( مِنَّا ) * أي من عندنا وحدنا وليس من عند غيرنا . ووصف - سبحانه - الرزق بالحسن ، للإشارة إلى أنه مع كثرته فهو حلال طيب مستحسن في الشرع وفي نظر الناس . وقال - سبحانه - * ( فَهُوَ يُنْفِقُ ) * بصيغة الجملة الاسمية ، للدلالة على ثبوت هذا الإنفاق ودوامه . وقوله * ( سِرًّا وجَهْراً ) * منصوبان على المصدر ، أي إنفاق سر وجهر ، أو على الحالية ، أي فهو ينفق منه في حالتي السر والجهر . والمراد أنه إنسان كريم ، لا يبخل بشيء مما رزقه اللَّه ، بل ينفق منه في عموم الأحوال ، وعلى من تحسن معه النفقة سرا ، وعلى من تحسن معه النفقة جهرا . هذان هما الجانبان المتقابلان في هذا المثل ، والفرق بينهما واضح وعظيم عند كل ذي قلب سليم ، ولذا جاء بعدهما بالاستفهام الإنكارى التوبيخي فقال : * ( هَلْ يَسْتَوُونَ ) * ؟ أي : هل يستوي في عرفكم أو في عرف أي عاقل ، هذا العبد المملوك العاجز الذي لا يقدر على شيء . . مع هذا الإنسان الحر . المالك الذي رزقه اللَّه - سبحانه - رزقا واسعا حلالا ، فشكر اللَّه عليه ، واستعمله في وجوه الخير . إن مما لا شك فيه أنهما لا يستويان حتى في نظر من عنده أدنى شيء من عقل . وما دام الأمر كذلك ، فكيف سويتم - أيها المشركون الجهلاء - في العبادة ، بين الخالق الرازق الذي يملك كل شيء ، وبين غيره من المعبودات الباطلة التي لا تسمع ولا تبصر ، ولا تعقل ، ولا تملك شيئا . وقال - سبحانه - * ( هَلْ يَسْتَوُونَ ) * مع أن المتقدم اثنان ، لأن المراد جنس العبيد والأحرار ، المدلول عليهما بقوله * ( عَبْداً ) * وبقوله * ( ومَنْ رَزَقْناه ) * . فالمقصود بالمثل كل من اتصف بهذه الأوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين لا فردان معينان . وقوله : * ( الْحَمْدُ لِلَّه ) * ثناء منه - سبحانه - على ذاته ، حيث ساق - سبحانه - هذه الأمثال الواضحة للتمييز بين الحق والباطل . أي : قل - أيها الإنسان المؤمن العاقل - « الحمد » كله « للَّه » - تعالى - على إرشاده