سيد محمد طنطاوي

201

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

لعباده المؤمنين ، وتعليمهم كيف يقذفون بحقهم على باطل أعدائهم فإذا هو زاهق . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله * ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) * أي : بل أكثر هؤلاء الكافرين الضالين ، لا يعلمون كيف يميزون بين الحق والباطل لانطماس بصائرهم ، واستيلاء الجحود والحسد والعناد على قلوبهم . وقال - سبحانه - * ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ . . ) * للإشعار بأن من هؤلاء الكافرين من يعلم الحق ويعرفه كما يعرف أبناءه ، ولكن الهوى والغرور والتقليد الباطل . . حال بينه وبين اتباع الحق . هذا هو المثال الأول الذي ذكره اللَّه - تعالى - للاستدلال على بطلان التسوية بين عبادة اللَّه - تعالى - الخالق لكل شيء والمالك لكل شيء . . وبين عبادة غيره من الأصنام والجمادات التي لا تخلق شيئا ، ولا تملك شيئا ، ولا تضر ولا تنفع . أما المثال الثاني فهو أشد وضوحا من سابقه على وحدانية اللَّه - تعالى - ورحمته بعباده ، وعلى الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر ، ويتجلى هذا المثال في قوله - عز وجل - : * ( وضَرَبَ اللَّه مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاه أَيْنَما يُوَجِّهْه لا يَأْتِ بِخَيْرٍ . . ) * . أي : وذكر اللَّه - تعالى - مثلا آخر لرجلين ، * ( أَحَدُهُما أَبْكَمُ ) * أي : لا يستطيع النطق أو الكلام ، ضعيف الفهم والتفهيم لغيره . * ( لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ) * أي : لا يقدر على فعل شيء من الأشياء المتعلقة بنفسه أو بغيره . * ( وهُوَ ) * أي هذا الرجل * ( كَلٌّ عَلى مَوْلاه ) * أي : حمل ثقيل ، وهم كبير على مولاه الذي يتولى شؤونه من طعام وشراب وكساء وغير ذلك . وهذا بيان لعدم قدرته على القيام بمصالح نفسه ، بعد بيان عدم قدرته على القيام بفعل أي شيء على الإطلاق . قال القرطبي : قوله * ( وهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاه ) * أي ثقل على وليه وقرابته ، ووبال على صاحبه وابن عمه ، وقد يسمى اليتيم كلا لثقله على من يكفله ، ومنه قول الشاعر : أكول لمال الكلّ قبل شبابه إذا كان عظم الكلّ غير شديد « 1 » فالكل هو الإنسان العاجز الضعيف الذي يكون محتاجا إلى من يرعى شؤونه . وقوله * ( أَيْنَما يُوَجِّهْه لا يَأْتِ بِخَيْرٍ ) * أي : أن هذا الرجل حيثما يوجهه مولاه وكافله لقضاء أمر من الأمور يعود خائبا ، لعجزه ، وضعف حيلته ، وقلة إدراكه . .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 149 .