سيد محمد طنطاوي

199

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : فلا تتجاسروا ، وتتطاولوا ، وتضربوا للَّه - تعالى - الأمثال ، كما يضرب بعضكم لبعض ، فإن اللَّه - تعالى - هو الذي يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك . قال الزجاج : ورد أن المشركين كانوا يقولون : إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا ، فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب ، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك ، وأولئك الأكابر يخدمون الملك ، فنهوا عن ذلك « 1 » . ثم وضح لهم - سبحانه - كيف تضرب الأمثال ، فساق مثلين حكيمين يدلان على وحدانية اللَّه - تعالى - وقدرته . . أما المثل الأول فيتجلى في قوله - عز وجل - : * ( ضَرَبَ اللَّه مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ . . ) * . أي : ذكر اللَّه - تعالى - وبين ووضح لكم مثلا تستدلون به على وحدانيته - سبحانه - وهو أن هناك عبدا رقيقا مملوكا لغيره ، وهذا العبد لا يقدر على شيء من التصرفات حتى ولو كانت قليلة . وقوله - سبحانه - : * ( عَبْداً ) * بدل من * ( مَثَلًا ) * و « مملوكا » صفة للعبد . ووصف - سبحانه - العبد بأنه مملوك ، ليحصل الامتياز بينه وبين الحر ، لأن كليهما يشترك في كونه عبدا للَّه - تعالى - . ووصفه أيضا - بأنه لا يقدر على شيء للتمييز بينه وبين المكاتب والعبد المأذون له في التصرف ، لأنهما يقدران على بعض التصرفات . هذا هو الجانب الأول من المثل ، أما الجانب الثاني فيتجلى في قوله - تعالى - : * ( ومَنْ رَزَقْناه مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْه سِرًّا وجَهْراً . . . ) * . قال الآلوسي : و « من » في قوله * ( ومَنْ رَزَقْناه ) * نكرة موصوفه ، ليطابق عبدا فإنه نكرة موصوفة - أيضا - ، وقيل : إنها موصولة ، والأول اختيار الأكثرين أي : حرا رزقناه بطريق الملك ، والالتفات إلى التكلم - في « رزقناه » - للإشعار باختلاف حال ضرب المثل والرزق . . . » « 2 » . أي : ذكر اللَّه - تعالى - لكم لتتعظوا وتتفكروا ، حال رجلين : أحدهما عبد مملوك لا يقدر على شيء . والثاني حر مالك رزقه اللَّه - تعالى - رزقا واسعا حلالا حسنا ، « فهو » أي هذا

--> ( 1 ) تفسير فتح القدير للشيخ صديق حسن خان ج 5 ص 273 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 195 .