سيد محمد طنطاوي
198
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
- تعالى - : * ( أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَتِ اللَّه هُمْ يَكْفُرُونَ ) * . أي أن هؤلاء الجاحدين لنعم اللَّه - تعالى - ، بلغ من جهالتهم وسفاهاتهم أنهم يؤمنون بالباطل ، ويكفرون بالحق ، ويعبدون من دون اللَّه - تعالى - أصناما وأوثانا لا تملك لعابدها أي شيء من الرزق فهي لا تنزل مطرا من السماء ولا تخرج نباتا من الأرض ، ولا تستطيع أن تنفع أو تضر . . و « ما » في قوله - تعالى - * ( ما لا يَمْلِكُ . . ) * كناية عن معبوداتهم الباطلة فهي مفردة لفظا ، مجموعة معنى . والتنكير في قوله - سبحانه - * ( رِزْقاً ) * للاشعار بقلته وتفاهته ، وأن معبوداتهم لا تملك لهم أي شيء من الرزق ، حتى ولو كان تافها حقيرا . وقوله : * ( شَيْئاً ) * منصوب على المصدر ، أي : ويعبدون من دون اللَّه ما لا يملك لهم ملكا ، أي : شيئا من الملك . والضمير في قوله * ( ولا يَسْتَطِيعُونَ ) * يعود إلى * ( ما ) * وجمع بصيغة العقلاء بناء على زعمهم الفاسد ، من أن هذه الأصنام في إمكانها النفع والضر . وجاءت جملة * ( ولا يَسْتَطِيعُونَ ) * بعد قوله - تعالى - * ( ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ والأَرْضِ . . ) * لتأكيد عجز هذه المعبودات عن فعل أي شيء فهي لا تملك شيئا ، وليس في استطاعتها أن تملك لأنها ليست أهلا لذلك . وقوله - سبحانه - * ( فَلا تَضْرِبُوا لِلَّه الأَمْثالَ . . ) * نهى منه - سبحانه - عن أن يشبه في ذاته أو صفاته بغيره ، وقد جاء هذا النهى في صورة الالتفات من الغائب إلى المخاطب للاهتمام بشأن هذا النهى ، والفاء لترتيب النهى على ما عدد من النعم التي وردت في هذه السورة والتي لم ينته الحديث عنها بعد . والأمثال : جمع مثل ، وهو النظير والشبيه لغيره ، ثم أطلق على القول السائر المعروف ، لمماثلة مضربه - وهو الذي يضرب فيه - ، لمورده - وهو الذي ورد فيه أولا . وتضرب الأمثال : لتوضيح الشيء الغريب ، وتقريب المعنى المعقول من المعنى المحسوس ، وعرض ما هو غائب في صورة ما هو مشاهد ، فيكون المعنى الذي ضرب له المثل أوقع في القلوب ، وأثبت في النفوس . وقوله - تعالى - * ( إِنَّ اللَّه يَعْلَمُ وأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) * تعليل لهذا النهى عن ضرب الأمثال للَّه - عز وجل - .