سيد محمد طنطاوي

193

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمعنى : « واللَّه » - تعالى - هو الذي « خلقكم » بقدرته ، ولم تكونوا قبل ذلك شيئا مذكورا . « ثم » هو وحده الذي « يتوفاكم » وينهى حياتكم من هذه الدنيا عند انقضاء آجالكم . وقوله * ( ومِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ . . ) * معطوف على مقدر . أي : واللَّه - تعالى - هو الذي خلقكم ، فمنكم من يبقى محتفظا بقوة جسده وعقله حتى يموت ، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر . . والمراد بأرذل العمر : أضعفه وأوهاه وهو وقت الهرم والشيخوخة ، الذي تنقص فيه القوى ، وتعجز فيه الحواس عن أداء وظائفها . يقال : رذل الشيء يرذل - بضم الذال فيهما - رذالة . . إذا ذهب جيده وبقي رديئه . وقوله : * ( لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ) * تعليل للرد إلى أرذل العمر . أي : فعلنا ما فعلنا من إبقاء بعض الناس في هذه الحياة إلى سن الشيخوخة لكي يصير إلى حالة شبيهة بحالة طفولته في عدم إدراك الأمور إدراكا تاما وسليما . ويجوز أن تكون اللام للصيرورة والعاقبة . أي : ليصير أمره بعد العلم بالأشياء ، إلى أن لا يعلم شيئا منها علما كاملا . ولقد استعاذ النبي صلى اللَّه عليه وسلم من أن يصل عمره إلى هذه السن ، لأنها سن تتكاثر فيها الآلام والمتاعب . وقد يصير الإنسان فيها عالة على غيره . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : اللَّه الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وشَيْبَةً ، يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ « 1 » . قال الإمام ابن كثير : روى البخاري عند تفسير هذه الآية ، عن أنس بن مالك ، أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كان يدعو فيقول : « اللهم إني أعوذ بك من البخل ، والكسل ، والهرم ، وأرذل العمر ، وعذاب القبر ، وفتنة الدجال ، وفتنة المحيا والممات » . وقال زهير بن أبي سلمى في معلقته المشهورة : سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسأم رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ، ومن تخطئ يعمر فيهرم « 2 »

--> ( 1 ) سورة الروم . الآية 55 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 577 .