سيد محمد طنطاوي
194
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على كمال علمه ، وتمام قدرته ، فقال - تعالى - : * ( إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ قَدِيرٌ ) * أي : إن اللَّه - تعالى - عليم بأحوال مخلوقاته ، لا يخفى عليه شيء من تصرفاتهم « قدير » على تبديل الأمور كما تقتضي حكمته وإرادته . ويؤخذ من هذه الآية الكريمة إمكان البعث وأنه حق ، لأن اللَّه - تعالى - القادر على خلق الإنسان وعلى نقله من حال إلى حال . . قادر - أيضا - على إحيائه بعد موته . ثم انتقلت السورة الكريمة من الحديث عن خلق الإنسان ، وتقلبه في أطوار عمره ، إلى الحديث عن التفاوت بين الناس في أرزاقهم ، فقال - تعالى - : * ( واللَّه فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ . . . ) * فجعل منكم الغنى والفقير ، والمالك والمملوك ، والقوى والضعيف ، وغير ذلك من ألوان التفاوت بين الناس ، لحكمة هو يعلمها - سبحانه - . ثم بين - سبحانه - موقف المفضلين في الرزق من غيرهم فقال : * ( فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيه سَواءٌ . . ) * . أي : فليس الذين فضلهم اللَّه - تعالى - في الرزق على غيرهم « برادي » أي : بمانحى وباذلى « رزقهم » الذي رزقهم اللَّه إياه على مماليكهم أو خدمهم الذين هم إخوة لهم في الإنسانية « فهم » أي الأغنياء الذين فضلوا في الرزق ومماليكهم وخدمهم « فيه » أي : في هذا الرزق « سواء » من حيث إني أنا الرازق للجميع . فالجملة الكريمة يجوز أن تكون دعوة من اللَّه - تعالى - للذين فضلوا على غيرهم في الرزق ، بأن ينفقوا على مماليكهم وخدمهم ، لأن ما ينفقونه عليهم هو رزق أجراه اللَّه للفقراء على أيدي الأغنياء . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله عند تفسير الآية : أي : جعلكم متفاوتين في الرزق ، فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم ، وإخوانكم ، فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم ، حتى تتساووا في الملبس والمطعم . كما يحكى عن أبي ذر أنه سمع النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « إنما هم إخوانكم ، فاكسوهم مما تلبسون ، وأطعموهم مما تطعمون » فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه ، وإزاره إزاره من غير تفاوت « 1 » . ويجوز أن تكون الآية الكريمة توبيخا للذين يشركون مع اللَّه - تعالى - آلهة أخرى في العبادة . فيكون المعنى : لقد فضل اللَّه - تعالى - بعضكم على بعض في الرزق - أيها
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 620 .