سيد محمد طنطاوي

192

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فهذه الأشربة قد أخرجها اللَّه - تعالى - من أجساد مخالفة لها في شكلها ، وقد ساقها - سبحانه - في آيات جمع بينها التناسق الباهر في عرض هذه النعم ، مما يدل على أن هذا القرآن من عند اللَّه ، . . ولَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّه لَوَجَدُوا فِيه اخْتِلافاً كَثِيراً « 1 » . وبعد هذا الحديث المتنوع عن عجائب خلق اللَّه - تعالى - في الأنعام والأشجار والنحل . . ساقت السورة الكريمة ألوانا أخرى من مظاهر قدرته - تعالى - في خلق الإنسان ، وفي التفاضل في الأرزاق ، ومن نعمه على عباده في إيجاد الأزواج والبنين والحفدة . . فقال - تعالى - : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 70 إلى 72 ] واللَّه خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ومِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 70 ) واللَّه فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيه سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّه يَجْحَدُونَ ( 71 ) واللَّه جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وحَفَدَةً ورَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَتِ اللَّه هُمْ يَكْفُرُونَ ( 72 ) قال الإمام الرازي - رحمه اللَّه - : لما ذكر - سبحانه - بعض عجائب أحوال الحيوانات ، ذكر بعده بعض عجائب أحوال الناس ، ومنها ما هو مذكور في هذه الآية : * ( واللَّه خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ومِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ) * - وهو إشارة إلى مراتب عمر الإنسان . والعقلاء ضبطوها في أربع مراتب : أولها : سن النشوء والنماء ، وثانيها : سن الوقوف وهو سن الشباب ، من ثلاث وثلاثين سنة إلى أربعين سنة - ، وثالثها : سن الانحطاط القليل وهو سن الكهولة - وهو من الأربعين إلى الستين - ورابعها : سن الانحطاط الكبير - وهو سن الشيخوخة - وهو من الستين إلى نهاية العمر - » « 2 » .

--> ( 1 ) سورة النساء الآية 82 . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 5 ص 332 .