سيد محمد طنطاوي

184

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقدم - سبحانه - قوله : * ( مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ ) * على قوله * ( لَبَناً ) * ، لأن خروج اللبن من بينهما هو موطن العبرة ، وموضع الدليل الأسمى على قدرة اللَّه - تعالى - ووحدانيته . قال صاحب الكشاف : قوله - تعالى - : * ( مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ ) * أي : يخلق اللَّه اللبن وسيطا بين الفرث والدم يكتنفانه ، وبينه وبينهما برزخ من قدرة اللَّه - تعالى - ، بحيث لا يبغى أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة ، بل هو خالص من ذلك كله . . . فسبحان اللَّه ما أعظم قدرته ، وألطف حكمته ، لمن تفكر وتأمل . وسئل « شقيق » عن الإخلاص فقال : تمييز العمل من العيوب كتمييز اللبن من بين فرث ودم . ثم قال - رحمه اللَّه - : فإن قلت : أي فرق بين « من » الأولى والثانية ؟ . قلت : الأولى للتبعيض ، لأن اللبن بعض ما في بطونها . . . والثانية لابتداء الغاية ، لأن بين الفرث والدم مكان الإسقاء الذي منه يبتدأ . . . وإنما قدم قوله : * ( مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ ) * لأنه موضع العبرة ، فهو قمن بالتقديم » « 1 » . وقال الآلوسي عند تفسيره لهذه الآية : « ومن تدبر في بدائع صنع اللَّه - تعالى - فيما ذكر من الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها ، والأسباب المولدة لها ، وتسخير القوى المتصرفة فيها . . . اضطر إلى الاعتراف بكمال علمه - سبحانه - وقدرته ، وحكمته ، وتناهى رأفته ورحمته : حكم حارت البرية فيها وحقيق بأنها تحتار « 2 » والحق ، أن هذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة على وحدانية اللَّه تعالى ونفاذ قدرته ، وعجيب صنعته ، حيث استخرج - سبحانه - من بين فرث ودم في بطون الأنعام ، لبنا خالصا سائغا للشاربين . وهذا الاستخراج قد تكلم العلماء المتخصصون عن كيفيته وعن مراحله . . كلاما يقوى إيمان المؤمنين ، ويدفع باطل الملحدين . هذا ، وفي الآية الكريمة إشارة إلى أن اللبن نعمة جزيلة من نعم اللَّه - تعالى - على خلقه . قال القرطبي ما ملخصه : « روى أبو داود وغيره عن ابن عباس قال : أتى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بلبن فشرب ، ثم قال : « إذا أكل أحدكم طعاما فليقل ، اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 616 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 178 .