سيد محمد طنطاوي

185

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

خيرا منه ، وإذا سقى لبنا فليقل : اللهم بارك لنا فيه ، وزدنا منه ، فإنه ليس شيء يجزئ عن الطعام والشراب إلا اللبن » . ثم قال الإمام القرطبي : قال علماؤنا : فكيف لا يكون كذلك ، وهو أول ما يغتذى به الإنسان ، وتنمو به الأبدان ، فهو قوت به قوام الأجسام ، وقد جعله اللَّه - تعالى - علامة لجبريل على هداية هذه الأمة ، ففي الحديث الصحيح أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن . فقال لي جبريل : اخترت الفطرة . . . » « 1 » . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعمة أخرى من نعم اللَّه التي لا تحصى ، وهي نعمة ثمرات النخيل والأعناب ، فقال - تعالى - : * ( ومِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْه سَكَراً ورِزْقاً حَسَناً . . . ) * . قال الجمل ما ملخصه : قوله - سبحانه - : * ( ومِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأَعْنابِ . . ) * خبر مقدم ، ومن تبعيضية ، والمبتدأ محذوف تقديره ثمر ، وقوله * ( تَتَّخِذُونَ ) * نعت لهذا المبتدأ المحذوف ، أي : ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا . ويجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقا بمحذوف ، والتقدير : ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب ، أي : من عصيرهما ، وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه ، وقوله * ( تَتَّخِذُونَ مِنْه سَكَراً ورِزْقاً حَسَناً ) * بيان وكشف عن كيفية الإسقاء . والضمير في قوله * ( مِنْه ) * يعود على المضاف المحذوف الذي هو العصير ، أو على المبتدأ المحذوف وهو الثمر « 2 » . والسكر - بفتح السين والكاف - اسم من أسماء الخمر ، يقال : سكر فلان - بوزن فرح - يسكر سكرا ، إذا غاب عقله وإدراكه فهو سكران وسكر - بفتح السين وكسر الكاف - . وأما الرزق الحسن ، فالمراد به ما كان حلالا من ثمرات النخيل والأعناب كالتمر والزبيب وغير ذلك مما أحله اللَّه - تعالى - من ثمارهما . وعلى هذا المعنى سار جمهور العلماء من السلف والخلف . قال الآلوسي ما ملخصه : والسكر : الخمر . قال الأخطل : .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 127 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 580 .