سيد محمد طنطاوي
183
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والعبرة : مصدر بمعنى العبور ، أي : التجاوز من محل إلى آخر ، والمراد بها هنا : العظة والاعتبار والانتقال من الجهل إلى العلم ، ومن الغفلة إلى اليقظة . أي : وإن لكم - أيها الناس - في خلق الأنعام ، وفيما يخرج منها من ألبان لعبرة عظيمة ، وعظة بليغة ، ومنفعة جليلة توجب عليكم إخلاص العبادة للَّه - تعالى - وحده ، ومداومة الشكر له على نعمه . فالتنكير في قوله * ( لَعِبْرَةً ) * للتفخيم والتهويل . وقوله - تعالى - : * ( نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِه ) * استئناف بيانى ، كأنه قيل : وما وجه العبرة في الأنعام ؟ فكان الجواب : نسقيكم مما في بطونه . قال الآلوسي : والضمير في « بطونه » يعود للأنعام ، وهو اسم جمع ، واسم الجمع يجوز تذكيره وإفراده باعتبار لفظه ، ويجوز تأنيثه وجمعه باعتبار معناه . . . » « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ ) * بيان لموطن العبرة ومحل النعمة ، ومظهر الدلالة على وحدانية اللَّه - تعالى - وقدرته ورحمته . . والفرث : الطعام المتبقى في أمعاء الحيوان بعد هضمه . وأصل الفرث : التفتيت . يقال فرثت كبده . أي : فتتتها . قال الجمل ما ملخصه : والفرث : الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام في الكرش - بفتح الكاف وكسر الراء - فإذا خرجت من الكرش لا تسمى فرثا بل تسمى روثا . وقوله * ( لَبَناً ) * مفعول ثان لنسقيكم ، والأول هو الكاف » « 2 » . والخالص : النقي الصافي الخالي من الشوائب والأكدار . يقال خلص الشيء من التلف خلوصا - من باب قعد - إذا سلم منه . والسائغ : اللذيذ الطعم ، السهل المدخل إلى الحلق . يقال : ساغ الشراب يسوغ سوغا . من باب قال - إذا سهل مدخله في الحلق . أي : نسقيكم من بين الفرث والدم الذي اشتملت عليه بطون الأنعام ، « لبنا » نافعا لأبدانكم « خالصا » من رائحة الفرث ، ومن لون الدم ، مع أنه موجود بينهما « سائغا للشاربين » بحيث يمر في الحلوق بسهولة ويسر ، ويشعر شاربه بلذة وارتياح .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 176 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 580 .