سيد محمد طنطاوي

182

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمراد بالسماء في قوله - تعالى - : * ( واللَّه أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ) * : جهة العلو أو السحاب المنتشر في طبقات الجو العليا والذي تنزل منه الأمطار . والمراد بإحياء الأرض : تحرك القوى النامية فيها ، وإظهار ما أودعه اللَّه - تعالى - فيها من نبات وأزهار ، وثمرات ، وغير ذلك مما تنبته الأرض . والمراد بموتها : خلوها من ذلك ، بسبب استيلاء القحط والجدب عليها . قال - تعالى - : وتَرَى الأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ . أي : وكما أنزل اللَّه - تعالى - كتابه ليكون هداية ورحمة لقوم يؤمنون ، أنزل - سبحانه - أيضا الماء من السماء على الأرض ، فتحولت بسبب نزول هذا الماء المبارك الكثير عليها ، من أرض جدباء خامدة ، إلى أرض خضراء رابية . ثم حرض - سبحانه - عباده على التدبر والشكر فقال - تعالى - : * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ) * . أي : إن في ذلك الذي فعلناه بقدرتنا وحدها ، من انزل الماء من السماء ، وإحياء الأرض به من بعد موتها ، لآية عظيمة ، وعبرة جليلة ، ودلالة واضحة تدل على وحدانيتنا وقدرتنا وحكمتنا ، « لقوم يسمعون » ما يتلى عليهم من كلام اللَّه - تعالى - سماع تدبر واعتبار ، فيعملون بما اشتمل عليه من توجيهات حكيمة وإرشادات سديدة . فالمراد بالسمع : سمع القلوب والعقول ، لا سمع الآذان فقط ، إذ سمع الآذان بدون وعى واستجابة للحق ، لا قيمة له ، ولا فائدة ترجى من ورائه . ثم أرشد - سبحانه - إلى مظهر آخر من مظاهر وحدانيته ، وعظيم قدرته وعجيب صنعه ، وسعة رحمته ، حيث خلق للناس الأنعام ، وسقاهم من ألبانها ، فقال - تعالى - : * ( وإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعامِ لَعِبْرَةً . . . ) * . والأنعام : تطلق على الإبل والبقر والغنم من الحيوان ، ويدخل في الغنم المعز .