سيد محمد طنطاوي
172
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الحقيقي - جل وعلا - ، وتقربوا بجانب كبير مما رزقهم به - سبحانه - إلى جمادات لا تغنى عنهم شيئا . وما أجملته هذه الآية الكريمة عن جهالتهم ، فصلته آيات أخرى منها قوله - تعالى - في سورة الأنعام : وجَعَلُوا لِلَّه مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ والأَنْعامِ نَصِيباً ، فَقالُوا هذا لِلَّه بِزَعْمِهِمْ ، وهذا لِشُرَكائِنا ، فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّه ، وما كانَ لِلَّه فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ « 1 » . وقوله - سبحانه - * ( تَاللَّه لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ) * تهديد ووعيد لهم على سوء أفعالهم . أي : أقسم بذاتى لتسألن - أيها المشركون - سؤال توبيخ وتأنيب في الآخرة ، عما كنتم تفترونه من أكاذيب في الدنيا ، ولأعاقبنكم العقاب الذي تستحقونه بسبب افترائكم وكفركم . وصدرت الجملة الكريمة بالقسم ، لتأكيد الوعيد ، ولبيان أن العقاب أمر محقق بالنسبة لهم وجاءت الجملة الكريمة بأسلوب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، لأن توبيخ الحاضر أشد من توبيخ الغائب . وقوله - سبحانه - : * ( ويَجْعَلُونَ لِلَّه الْبَناتِ سُبْحانَه ) * بيان لرذيلة أخرى من رذائلهم الكثيرة ، وهو معطوف على ما قبله . وسؤالهم يوم القيامة عما اجترحوه - مع أنه سؤال تقريع وتأنيب - إلا أنه يدل على عدل اللَّه - تعالى - مع هؤلاء الظالمين ، لأنه لم يعاقبهم إلا بعد أن سألهم ، وبعد أن ثبت إجرامهم وفي ذلك ما فيه من تعليم العباد أن يكونوا منصفين في أحكامهم . وهذه الآية الكريمة تحكى ما كان شائعا في بعض قبائل العرب ، من أنهم كانوا يزعمون أن الملائكة بنات اللَّه . قالوا : وكانت قبيلة خزاعة ، وقبيلة كنانة تقولان بذلك في الجاهلية . أي : أن هؤلاء المشركين لم يكتفوا بجعل نصيب مما رزقناهم لآلهتهم ، بل أضافوا إلى ذلك رذيلة أخرى ، وهي أنهم زعموا أن الملائكة بنات اللَّه - تعالى - ، وأشركوها معه في العبادة . قوله « سبحانه » مصدر نائب عن الفعل ، وهو منصوب على المفعولية المطلقة ، وهو في محل جملة معترضة ، وقعت جوابا عن مقالتهم السيئة ، التي حكاها اللَّه - تعالى - عنهم ، وهي « ويجعلون للَّه البنات » .
--> ( 1 ) راجع تفسيرنا لهذه الآية في كتابنا ( تفسير سورة الأنعام ) من ص 185 إلى ص 188 .