سيد محمد طنطاوي

173

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : تنزه وتقدس اللَّه - عز وجل - عن أن يكون له بنات أو بنين ، فهو الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد . والمراد بما يشتهونه في قوله - عز وجل - : * ( ولَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ) * الذكور من الأولاد . أي : أن هؤلاء المشركين يجعلون لأصنامهم نصيبا مما رزقناهم ، ويجعلون للَّه - تعالى - البنات ، أما هم فيجعلون لأنفسهم الذكور ، ويختارونهم ليكونوا خلفاء لهم . وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - : وجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً ، أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ، سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ ويُسْئَلُونَ . وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ، ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ ، إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ « 1 » . ثم صور - سبحانه - حالتهم عندما يبشرون بولادة الأنثى ، وحكى عاداتهم الجاهلية المنكرة فقال - تعالى - : * ( وإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثى ظَلَّ وَجْهُه مُسْوَدًّا وهُوَ كَظِيمٌ ، يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِه . . ) * . قال الآلوسي : قوله « وإذا بشر أحدهم بالأنثى . . » أي : أخبر بولادتها . وأصل البشارة الإخبار بما يسر . لكن لما كانت ولادة الأنثى تسوؤهم حملت على مطلق الإخبار . وجوز أن يكون ذلك بشارة باعتبار الولادة ، بقطع النظر عن كونها أنثى . . » « 2 » . وقوله « كظيم » من الكظم بمعنى الحبس . يقال : كظم فلان غيظه ، إذا حبسه وهو ممتلئ به وفعله من باب ضرب . والمعنى : وإذا أخبر أحد هؤلاء الذين يجعلون للَّه البنات ، بولادة الأنثى دون الذكر ، صار وجهه مسودا كئيبا كأن عليه غبرة ، ترهقه قترة - أي تعلوه ظلمه وسواد - ، وصار جسده ممتلئا بالحزن المكتوم ، والغيظ المحبوس ، وأصبح يتوارى ويتخفى عن أعين الناس خجلا وحياء ، من أجل أن زوجته ولدت له أنثى ولم تلد له ذكرا . وقوله - سبحانه - : * ( أَيُمْسِكُه عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّه فِي التُّرابِ ) * تصوير بليغ لموقف ذلك الشرك مما بشر به وهو ولادة الأنثى . فالضمير المنصوب في قوله « أيمسكه ، ويدسه » يعود على المبشر به وهو الأنثى . والهون بمعنى الهوان والذل .

--> ( 1 ) سورة الزخرف الآيتان 19 ، 20 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 169 .