سيد محمد طنطاوي
162
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
تخوف المتعدى بمعنى تنقص . وهذا الثاني لغة هذيل ، وهي من اللغات الفصيحة التي جاء بها القرآن » « 1 » . والمعنى على الأول : أو يأخذهم وهم في حالة خوف وتوقع لنزول العذاب بهم ، كما نزل بالذين من قبلهم . وإلى هذا المعنى أشار ابن كثير بقوله : وقوله : * ( أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ ) * . أي : أو يأخذهم اللَّه - تعالى - في حال خوفهم من أخذه لهم ، فإنه يكون أبلغ وأشد حالات الأخذ ، فإن حصول ما يتوقع مع الخوف شديد . . . » « 2 » . والمعنى على الثاني : أو يأخذهم وهم في حالة تنقص في أنفسهم وأموالهم وأولادهم حتى يهلكوا ، فيكون هلاكهم قد سبقه الفقر والقحط والمرض ، وفي ذلك ما فيه من عذاب لهم ، وحسرة عليهم . قال القرطبي : وقال سعيد بن المسيب : بينما عمر بن الخطاب - رضى اللَّه عنه على المنبر قال : أيها الناس ما تقولون في قول اللَّه - عز وجل - : * ( أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ ) * . فسكت الناس . فقال شيخ من بنى هذيل : هي لغتنا يا أمير المؤمنين . التخوف : التنقص . فقال عمر : أتعرف العرب ذلك في أشعارهم ؟ قال نعم قال شاعرنا أبو كبير الهذلي يصف ناقة تنقص السير سنامها بعد اكتنازه : تخوّف الرحل منها تامكا قردا كما تخوّف عود النّبعة السّفن فقال عمر : أيها الناس : عليكم بديوانكم شعر الجاهلية ، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم » « 3 » . وختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) * لبيان فضله - سبحانه - على عباده ، حيث لم يعاجلهم بالعقوبة ، بل أمهلهم لعلهم يتوبون إليه ويستغفرونه .
--> ( 1 ) تفسير التحرير والتنوير . للشيخ محمد الطاهر بن عاشور . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 494 . ( 3 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 110 . وتخوف في البيت بمعنى تنقص ، والرحل : السفر . والتامك : المرتفع . والقرد المتراكم لحمه بعضه فوق بعض من السمن . والنبعة : شجرة من أشجار الجبال يتخذ منها القسي . والسفن : كما يتنقص المنشار أو ما يشبهه أعواد الأشجار .