سيد محمد طنطاوي
163
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة قد حذرت الكافرين من التمادي في كفرهم ، وهددتهم : بخسف الأرض بهم . أو بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون ، أو بإهلاكهم وهم في الأرض يكدحون ، أو بأخذهم وهم للأخذ متوقعون . وبعد أن خوف - سبحانه - الماكرين بما خوف ، أتبع ذلك بما يدل على كمال قدرته وعظمته وجلاله ، حيث خضعت جميع المخلوقات لذاته - سبحانه - فقال - تعالى - : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 48 إلى 50 ] أَولَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّه مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُه عَنِ الْيَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّه وهُمْ داخِرُونَ ( 48 ) ولِلَّه يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ والْمَلائِكَةُ وهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 49 ) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ( 50 ) قرأ جمهور القراء « أو لم يروا . . » وقرأ حمزة والكسائي : « أو لم تروا » بالتاء ، على الخطاب ، على طريقة الالتفات . وقوله « من شيء » بيان للإبهام الذي في « ما » الموصولة في قوله « إلى ما خلق اللَّه » . وقوله « يتفيأ » من التفيؤ ، بمعنى الرجوع . يقال : فاء فلان يفيء إذا رجع وفاء الظل فيئا ، إذا عاد بعد إزالة ضوء الشمس له . وتفيؤ الظلال : تنقلها من جهة إلى أخرى بعد شروق الشمس ، وبعد زوالها . والظلال : جمع ظل ، وهو صورة الجسم المنعكس إليه نور . و « داخرون » من الدخور بمعنى الانقياد والخضوع ، يقال : دخر فلان يدخر دخورا ، ودخر - بزنة فرح - يدخر دخرا ، إذا انقاد لغيره وذل له . والمعنى : أعمى هؤلاء المشركون الذين مكروا السيئات ، ولم يروا ما خلق اللَّه - تعالى - من الأشياء ذوات الظلال - كالجبال والأشجار وغيرها - وهي تتنقل ظلالها . من جانب إلى جانب ، ومن جهة إلى جهة ، باختلاف الأوقات وهي في كل الأحوال والأوقات منقادة لأمر اللَّه - تعالى - جارية على ما أراده لها من امتداد وتقلص وغير ذلك ، خاضعة كل الخضوع لما سخرت له .