سيد محمد طنطاوي

146

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والاستفهام في قوله - تعالى - : * ( فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) * . إنكاري في معنى النفي . والبلاغ : اسم مصدر بمعنى الإبلاغ . والمبين : الواضح الصريح . أي : ما على الرسل الكرام الذين أرسلهم اللَّه - تعالى - لإرشاد أقوامهم إلى الصراط المستقيم إلا الإبلاغ الواضح ، المظهر لأحكام اللَّه ، المميز بين الحق والباطل ، أما إجبار الناس على الدخول في الحق فليس من وظيفتهم . قال - تعالى - : وإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ، فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وعَلَيْنَا الْحِسابُ « 1 » . وقال - تعالى - : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ولكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشاءُ . . « 2 » . ثم بين - سبحانه - أن من رحمته بعباده ، أن أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على اللَّه حجة بعد الرسل ، فقال - تعالى - : * ( ولَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا ، أَنِ اعْبُدُوا اللَّه واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ . . ) * . والطاغوت : اسم لكل معبود من دون اللَّه - تعالى - ، كالأصنام والأوثان وغير ذلك من المعبودات الباطلة ، مأخوذ من طغا يطغى طغوا . . إذا جاوز الحد في الضلال . أي : ولقد اقتضت حكمتنا ورحمتنا أن نبعث في كل أمة ، من الأمم السالفة « رسولا » من رسلنا الكرام ، ليرشدوا الناس إلى الحق والخير ، وليقولوا « أن اعبدوا اللَّه » - تعالى - وحده ، « واجتنبوا » عبادة « الطاغوت » الذي يضل ولا يهدى . وأكد - سبحانه - الجملة باللام وقد ، للرد على ما زعمه المشركون من أن اللَّه - تعالى - لم ينكر عليهم عبادتهم لغيره ، وأنه - سبحانه - راض لتحريمهم لما أحله . حيث بين لهم - عز وجل - أنه قد أرسل الرسل للدعوة إلى عبادته وحده ، ولتجنب عبادة أحد سواه . و « أن » في قوله « أن اعبدوا . . » تفسيرية ، لأن البعث يتضمن معنى القول ، إذ هو بعث للتبليغ . ثم بين - سبحانه - موقف هؤلاء الأقوام من رسلهم فقال - تعالى - : * ( فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّه ، ومِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْه الضَّلالَةُ . . ) * .

--> ( 1 ) سورة الرعد الآية 40 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 272 .