سيد محمد طنطاوي
147
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : بعثنا في كل أمة من الأمم السابقة رسولا لهداية أبنائها فمن هؤلاء الأبناء من هداهم اللَّه - تعالى - إلى الحق وإلى الصراط المستقيم . بأن وفقهم إليه ، لانشراح صدورهم له ، ومنهم من ثبتت وحقت عليه الضلالة ، لاستحبابه العمى على الهدى . وأسند - سبحانه - هداية بعض أفراد هذه الأمم إليه ، مع أنه أمر جميعهم - على ألسنة رسله - بالدخول في طريق الهدى ، للرد على المشركين الذين أحالوا شركهم وفسوقهم على مشيئة اللَّه ، إذ أن اللَّه - تعالى - قد بين للناس جميعا طرق الخير وطرق الشر ، فمنهم من استجاب للأولى ، ومنهم من انحدر إلى الثانية ، وكلاهما لم يقسره اللَّه - تعالى - قسرا على الهدى أو الضلال . فاهتداء المهتدين إنما هو بسبب اختيارهم لذلك ، واتباعهم الرسل ، وضلال الضالين إنما هو بسبب استحواذ الشيطان عليهم . وعبر - سبحانه - في جانب الضالين بقوله : * ( ومِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْه الضَّلالَةُ ) * للإشارة إلى أنهم لم يستجيبوا لما أرشدهم - سبحانه - إليه ، بل ظلوا ثابتين مصممين على البقاء في طريق الضلالة ، فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّه قُلُوبَهُمْ ، واللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) * . تحريض لهم على التأمل في آثار المكذبين ، لعلهم عن طريق هذا التأمل والتدبر يثوبون إلى رشدهم ، ويعودون إلى صوابهم ، ويدركون سنة من سنن اللَّه في خلقه ، وهي أن العاقبة الطيبة للمتقين ، والعاقبة السيئة للكافرين . والفاء في قوله « فسيروا . . . » للتفريع ، وقد جيء بها للإشعار بوجوب المبادرة إلى التأمل والاعتبار . أي : إن كنتم في شك مما أخبرناكم به ، فسارعوا إلى السير في الأرض ، لتروا بأعينكم آثار المجرمين ، الذين كذبوا الرسل وأسندوا شركهم إلى مشيئة اللَّه . لقد نزل بهؤلاء المكذبين عذاب اللَّه ، فدمرهم تدميرا وإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ . وبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ « 2 » . ثم أخبر اللَّه - تعالى - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم بأن حرصه على هداية المصرين على ضلالهم ، لن يغير من واقع أمرهم شيئا ، فقال - تعالى - * ( إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّه لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ . . ) * .
--> ( 1 ) سورة الصف الآية 5 . ( 2 ) سورة الصافات الآيتان 137 ، 138 .