سيد محمد طنطاوي
145
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فَتُخْرِجُوه لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ . قُلْ فَلِلَّه الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ، فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ . . « 1 » . هذا ، وقد قلنا عند تفسيرنا لهذه الآيات ما ملخصه : ونريد أن نزيد هذه الشبهة القديمة الحديثة تمحيصا وكشفا ودفعا ، فنقول لأولئك الذين يبررون ارتكابهم للموبقات بأنها واقعة بمشيئة اللَّه . نقول لهم : نحن معكم في أنه لا يقع في ملكه - سبحانه - إلا ما يشاؤه . فالطائع تحت المشيئة ، والعاصي تحت المشيئة ، ولكن هذه المشيئة لم تجبر أحدا على طاعة أو معصية ، وقضاء اللَّه هو علمه بكل ما هو كائن قبل أن يكون وليس العلم صفة تأثير وجبر . ولقد شاء - سبحانه - أن يجعل في طبيعة البشر الاستعداد للخير والشر ، ووهبهم العقل ليهتدوا به ، وأرسل إليهم الرسل لينمو فيهم استعدادهم ، وسن لهم شريعة لتكون مقياسا ثابتا لما يأخذون وما يدعون ، كي لا يتركهم لعقولهم وحدها . وإذا فمشيئة اللَّه متحققة حسب سنته التي ارتضاها ، سواء اتخذ العبد طريقه إلى الهدى أم إلى الضلال ، وهو مؤاخذ إن ضل ، ومأجور إذا اهتدى ، غير أن سنة اللَّه اقتضت أن من يفتح عينيه يبصر النور ، ومن يغمضهما لا يراه . كذلك من يفتح قلبه لإدراك دلائل الإيمان يهتدى ، ومن يحجب قلبه عنها يضل . سنة اللَّه ولن تجد لسنته تبديلا . وإذا فزعم الزاعمين بأن اللَّه شاء هذا ، على معنى أنه أجبرهم عليه ، فهم لا يستطيعون عنه فكاكا ، إنما هو زعم باطل لا سند له من العلم والتفكير الصحيح . . » « 2 » . وقوله - سبحانه - : ذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ تسلية لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عما قاله هؤلاء المشركون من كذب ، وما نطقوا به من باطل . واسم الإشارة « كذلك » يعود إلى إشراكهم وتحريمهم لما أحله اللَّه - تعالى - أي : مثل ذلك الفعل الشنيع الذي فعله قومك معك يا محمد ، فعل أشباههم السابقون مع أنبيائهم الذين أرسلهم اللَّه - تعالى - لهدايتهم ، فلا تبتئس - أيها الرسول الكريم - مما فعله معك مشركو قومك . فإننا لولا وجودك فيهم ، لأنزلنا بهم ما أنزلنا على سابقيهم من عذاب .
--> ( 1 ) سورة الأنعام الآية 148 ، 149 . ( 2 ) راجع تفسيرنا لسورة الأنعام من ص 205 إلى ص 211 .