سيد محمد طنطاوي

144

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

مشيئته وإرادته ، ولو شاء اللَّه عدم فعلنا لهذه الأشياء لما فعلناها وما دام اللَّه - تعالى - قد قضى علينا بها فما ذنبنا ؟ ولما ذا يعاقبنا عليها ما دام قد شاءها لنا ؟ استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى هذه الشبهة بأسلوبه الخاص فيقول : * ( وقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّه ما عَبَدْنا مِنْ دُونِه مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ، ولا حَرَّمْنا مِنْ دُونِه مِنْ شَيْءٍ . . . ) * . أي : وقال الذين أشركوا ، مع اللَّه - تعالى - آلهة أخرى في العبادة ، لنبيهم صلى اللَّه عليه وسلم : لو شاء اللَّه - تعالى - لنا عبادته وحده لعبدناه نحن وآباؤنا الذين هم قدوتنا . ولو شاء لنا ولآبائنا - أيضا - ألا نحرم شيئا مما حرمناه من البحائر والسوائب وغيرهما ، لتمت مشيئته ، ولما حرمنا شيئا لم يأذن به - سبحانه - . ولكنه - عز وجل - لم يشأ ذلك ، بل شاء لنا أن نشرك معه في العبادة هذه الأصنام ، وأن نحرم بعض الأنعام ، وقد رضى لنا ذلك ، فلما ذا تطالبنا يا محمد صلى اللَّه عليه وسلم بتغيير مشيئة اللَّه ، وتدعونا إلى الدخول في دين الإسلام والذي لم يشأ لنا اللَّه - تعالى - الدخول فيه ؟ هذه حجتهم ، ولا شك أنها حجة داحضة ، لأنهم يحيلون شركهم وفسوقهم على مشيئة اللَّه - تعالى - مع أن مشيئته - تعالى - لم يطلع عليها أحد من خلقه حتى يقولوا ما قالوا . وإنما الذي أطلعنا عليه - سبحانه - أنه أرسل رسوله صلى اللَّه عليه وسلم لهدايتنا ، ومنحنا العقول التي نميز بها بين الحق والباطل ، فمن أطاع الرسول صلى اللَّه عليه وسلم سعد وفاز ، ومن أعرض عن هدايته خسر وخاب ، قال - تعالى - : إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيه فَجَعَلْناه سَمِيعاً بَصِيراً . إِنَّا هَدَيْناه السَّبِيلَ ، إِمَّا شاكِراً وإِمَّا كَفُوراً « 1 » . وقال - سبحانه : وقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ ومَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ . . « 2 » . ولقد حكى - سبحانه - شبهة المشركين هذه في آيات أخرى ورد عليها ، ومن ذلك قوله - تعالى - وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ « 3 » . وقوله - سبحانه - : سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّه ما أَشْرَكْنا ولا آباؤُنا ، ولا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ ، كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا ، قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ

--> ( 1 ) سورة الإنسان الآيتان 2 ، 3 . ( 2 ) سورة الكهف الآية 29 . ( 3 ) سورة الزخرف الآية 19 .