سيد محمد طنطاوي

111

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وحتى لا يقول بعض الناس : إنما استخدم آباؤنا الأنعام والخيل والبغال والحمير ، فلا نستخدم سواها ، وإنما نص القرآن على هذه الأصناف فلا نستخدم ما عداها . ولقد جدت وسائل للحمل والنقل والركوب والزينة ، لم يكن يعلمها أهل ذلك الزمان ، وستجد وسائل أخرى لا يعلمها أهل هذا الزمان : والقرآن يهيئ لها القلوب والأذهان ، بلا جمود ولا تحجر ، « ويخلق مالا تعلمون » « 1 » . وبعد أن بين - سبحانه - دلائل وحدانيته وقدرته ، عن طريق خلق السماوات والأرض والإنسان والدواب . . أتبع ذلك ببيان أنه - عز وجل - كفيل بالإرشاد إلى الطريق المستقيم لمن يتجه إليه فقال - تعالى - : * ( وعَلَى اللَّه قَصْدُ السَّبِيلِ ، ومِنْها جائِرٌ ، ولَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ) * . والقصد : الاستقامة . والسبيل : الطريق والقصد منه : هو المستقيم الذي لا اعوجاج فيه . يقال : سبيل قصد وقاصد ، أي : مستقيم . قال الشاعر : ومن الطريقة جائر وهدى قصد السبيل ، ومنه ذو دخل قال الجمل ما ملخصه : « وعلى اللَّه » أي : تفضلا « قصد السبيل » على تقدير مضاف ، أي : وعلى اللَّه بيان قصد السبيل . وهو بيان طريق الهدى من الضلالة ، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف ، والقصد مصدر يوصف به . يقال : سبيل قصد وقاصد أي : مستقيم ، كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه . والمراد بالسبيل : جنسه . . » « 2 » . والضمير في قوله « ومنها جائر » يعود إلى السبيل . والجائر : المائل عن الاستقامة ، المنحرف عن الجادة وهو صفة لموصوف محذوف . أي : ومنها سبيل جائر . أي : وعلى اللَّه - تعالى - وحده ، تفضلا منه وكرما ، بيان الطريق المستقيم وهو طريق الحق ، الذي يوصل من سلكه إلى السعادة في الدنيا والآخرة . وهذا الطريق الحق : هو الذي جاء به محمد صلَّى اللَّه عليه وسلم . ومن الطريق ما هو حائد عن الاستقامة ، وهو كل طريق يخالف ما جاء به خاتم الرسل ، صلَّى اللَّه عليه وسلم من عقائد وشرائع وآداب .

--> ( 1 ) في ظلال القرآن ج 14 ص 2161 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 561 .