سيد محمد طنطاوي

112

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال - تعالى - : وأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوه ، ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه . . « 1 » . فالمراد بالطريق القصد : الطريق الموصل إلى الإسلام ، والمراد بالطريق الجائر : الطريق الموصل إلى غيره من ملل الكفر والضلال . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ، ببيان أن الهداية والإضلال بقدرته ومشيئته ، فقال - تعالى - : * ( ولَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ) * . أي : ولو شاء - سبحانه - هدايتكم - أيها الناس - إلى الطريق المستقيم ، لهداكم جميعا ، ولكنه - عز وجل - لم يشأ ذلك ، بل اقتضت حكمته أن يخلق الناس ، مستعدين للهدى والضلال ، وأن يترك لهم اختيار أحد الطريقين فكان منهم من استحب العمى على الهدى ، وكان منهم من سلك الطريق المستقيم . وسيجازى - سبحانه - الذين أساؤا بما عملوا ، وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى . قال تعالى - : إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيه فَجَعَلْناه سَمِيعاً بَصِيراً . إِنَّا هَدَيْناه السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وإِمَّا كَفُوراً « 2 » . وقال - سبحانه - : ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً . . « 3 » . وبعد أن بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على عباده عن طريق خلق الأنعام وغيرها من البهائم ، التي لهم فيها منافع ، أتبع ذلك ببيان نعمه عليهم في إنزال المطر ، فقال - تعالى - : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 10 إلى 11 ] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْه شَرابٌ ومِنْه شَجَرٌ فِيه تُسِيمُونَ ( 10 ) يُنْبِتُ لَكُمْ بِه الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأَعْنابَ ومِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 11 )

--> ( 1 ) سورة الأنعام الآية 153 . ( 2 ) سورة الإنسان الآيتان 2 ، 3 . ( 3 ) سورة يونس الآية 99 .