سيد محمد طنطاوي
110
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ويعجبني في هذا المقام قول الإمام البغوي : ليس المراد من الآية بيان التحليل والتحريم ، بل المراد منها تعريف اللَّه عباده نعمه ، وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته ، والدليل الصحيح المعتمد عليه في إباحة لحوم الخيل أن السنة مبينة للكتاب . ولما كان نص الآية يقتضى أن الخيل والبغال والحمير مخلوقة للركوب والزينة ، وكان الأكل مسكوتا عنه ، ودار الأمر فيه على الإباحة والتحريم ، وردت السنة النبوية بإباحة لحوم الخيل ، وبتحريم لحوم البغال والحمير فوجب الأخذ بما جاء في السنة التي هي بيان للكتاب « 1 » . هذا وقد ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على عظيم قدرته ، وسعة علمه ، فقال * ( ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ) * . أي : ويخلق - سبحانه - في الحال والاستقبال ، مالا تعلمونه - أيها الناس - من أنواع المخلوقات المختلفة سوى هذه الدواب ، كالسفن التي تمخر عباب الماء ، والطائرات التي تشق أجواز الفضاء ، والسيارات التي تنهب الأرض نهبا لسرعتها ، وغير ذلك من أنواع المخلوقات التي لا يعلمها سواه - سبحانه - والتي أوجدها لمنفعتكم ومصلحتكم . وهذه الجملة الكريمة تدل على أن القرآن من عند اللَّه - تعالى - فقد أوجد - سبحانه - العقول البشرية ، التي ألهمها صنع الكثير من المخترعات النافعة في البر وفي البحر وفي الجو ، والتي لم يكن للناس معرفة بها عند نزول القرآن الكريم . وتشير - أيضا - إلى مزيد فضل اللَّه - تعالى - على الناس ، حيث أخبرهم بأنه سيخلق لهم في مستقبل الأيام من وسائل الركوب وغيرها ، ما فيه منفعة لهم ، سوى هذه الدواب التي ذكرها . فعليهم أن يستعملوا هذه الوسائل في طاعة اللَّه - تعالى - لا في معصيته وعليهم أن يتقبلوا هذه الوسائل ، وأن يفتحوا عقولهم لكل ما هو نافع . ورحم اللَّه صاحب الظلال ، فقد قال عند تفسيره الآية ما ملخصه : يعقب اللَّه - تعالى - على خلق الأنعام والخيل والبغال والحمير بقوله * ( ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ) * ليظل المجال مفتوحا في التصور البشرى ، لتقبل أنماط جديدة من أدوات الحمل والركوب والزينة .
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 560 .