سيد محمد طنطاوي

13

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

واحترس من خداعهم وغدرهم ، وحرض أتباعك على قتالهم بصبر وجلد . قال - تعالى - : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّه الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وهُمْ لا يَتَّقُونَ . فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ . وإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّه لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ . ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ . وأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ومِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِه عَدُوَّ اللَّه وعَدُوَّكُمْ وآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّه يَعْلَمُهُمْ ، وما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّه يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ . وإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . ( ط ) ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن أسرى غزوة بدر من المشركين فبينت ما كان يجب على الرسول صلى اللَّه عليه وسلم والمؤمنين في شأنهم ، وعاتبتهم لإيثارهم أخذ الفداء على ما عند اللَّه من ثواب عظيم ، وأباحت لهم أن يأكلوا مما غنموه ، فإنه حلال طيب ، وأمرت النبي صلى اللَّه عليه وسلم أن يدعو الأسرى إلى الدين الحق ، وأن يخبرهم بأنهم متى آمنوا ظفروا بخير الدنيا والآخرة . . تأمل معي - أخي القارئ - هذه الآيات الكريمة التي ساقتها السورة في هذا المعنى . ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَه أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّه يُرِيدُ الآخِرَةَ واللَّه عَزِيزٌ حَكِيمٌ . لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّه سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ . فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً واتَّقُوا اللَّه إِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ . يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّه فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ واللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ . وإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّه مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ واللَّه عَلِيمٌ حَكِيمٌ . ( ى ) وإذا كانت السورة قد تحدثت في أوائلها عن صفات المؤمنين . . الصادقين ، وعن حال الذين كرهوا الخروج إلى القتال في بدر . . فإنها قد تحدثت في ختامها - أيضا - عن أصناف المؤمنين . . فمدحت المهاجرين السابقين ، ومدحت الأنصار الذين آووا ونصروا ، لأنهم قد اشتركوا جميعا في بذل أموالهم وأنفسهم من أجل إعلاء كلمة اللَّه . . ثم بينت ما يجب عليهم نحو غيرهم من المؤمنين الذين لم يهاجروا ، بل ظلوا في أرض الشرك . ثم مدحت المؤمنين الذين تأخرت هجرتهم عن صلح الحديبية - وإن كانوا أقل في الدرجات من المهاجرين السابقين . قال - تعالى - : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّه والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ، والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ