سيد محمد طنطاوي

14

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا ، وإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ واللَّه بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوه تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ . والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّه والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ . والَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ ، وأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّه ، إِنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . 8 - هذا عرض مجمل لما اشتملت عليه سورة الأنفال من توجيهات سامية ، وآداب عالية ، وتشريعات حكيمة . . . ومن هذا العرض نرى أن السورة الكريمة قد اهتمت بأمور من أبرزها ما يلي : ( أ ) تربية المؤمنين على العقيدة السليمة ، وعلى الطاعة للَّه ولرسوله . وإصلاح ذات بينهم ، والثبات في وجه أعدائهم ، والإكثار من التقرب إلى خالقهم ، والمداومة على مراقبته وخشيته وشكره ، فهو الذي هداهم للإيمان ، وهو الذي آواهم وأيدهم بنصره ورزقهم من الطيبات . . بعد أن كانوا ضالين ومستضعفين في الأرض . ولقد أفاضت السورة في غرس هذه المعاني في نفوس المؤمنين لأنها نزلت كما سبق أن بينا - في أعقاب اللقاء الأول بينهم وبين أعدائهم - فكان من المناسب أن تكرر غرس هذه المعاني في القلوب حتى تستمر على طاعة اللَّه ورسوله ، تلك الطاعة التي من ثمارها الظفر الدائم والخير الباقي . . ( ب ) تذكير المؤمنين بما عليه أعداؤهم من جحود وعناد ، وبما كان منهم من مكر برسولهم صلى اللَّه عليه وسلم ومن استهزائهم بدينهم وقرآنهم ومن عداوة شديدة للحق وأهله ، ومن صفات ذميمة جعلتهم أهلا لاستحواذ الشيطان عليهم . . . وهذا التذكير قد تكرر كثيرا في سورتنا هذه ، لكي يستمر المؤمنون على حسن استعدادهم ، ولكي لا تنسيهم نشوة النصر في بدر ما يضمره لهم أعداؤهم من كراهية وبغضاء ، وما يبيتونه لهم من سوء وشر . ( ج ) إرشاد المؤمنين إلى المنهاج الذي يجب أن يسيروا عليه في حالتي حربهم وسلمهم ، لأنه متى ساروا عليه حالفهم النصر ، وصاحبهم التوفيق . ففي حالة الحرب : أمرتهم السورة الكريمة بأن يعدوا لأعدائهم كل ما يستطيعون من قوة . وأن يبذلوا أموالهم بسخاء من أجل نصرة الحق . . وأن يقاتلوا خصومهم بشجاعة وإقدام ، وأن يكثروا من التقرب إلى اللَّه بصالح الأقوال والأعمال - خصوصا في مواطن القتال - . . وأن