سيد محمد طنطاوي
12
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
( و ) وبعد أن افتتحت السورة الكريمة بالحديث المجمل عن الغنائم وساقت في أعقابه ما ساقت من توجيه وإرشاد وترغيب وترهيب . بعد كل ذلك عادت السورة إلى الحديث عن الغنائم ، ففصلت ما أجملته في مطلعها ، وذكّرت المؤمنين بنعم أخرى منحهم اللَّه إياها في بدر . ومن ذلك : أنّه - سبحانه - هيأ لهم المكان المناسب لقتال أعدائهم ، وجعل اللقاء الحاسم بين الفريقين بدون موعد سابق . . وقلل كل فريق في عين الآخر ليقضى - سبحانه - قضاءه النافذ . . قال - تعالى - : واعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّه خُمُسَه ولِلرَّسُولِ ولِذِي الْقُرْبى والْيَتامى والْمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ ، إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّه وما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ واللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى ، والرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ، ولَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ ولكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّه أَمْراً كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وإِنَّ اللَّه لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ . ( ز ) ثم يأتي بعد ذلك النداء السادس والأخير للمؤمنين ، فيأمرهم - سبحانه - فيه بالثبات عند لقائهم لأعدائهم ، وبالإكثار من ذكره ، وبالطاعة التامة له ولرسوله ، وبالابتعاد عن التنازع والاختلاف . ثم ينهاهم عن التشبه بالمرائين ، والمتكبرين ، والمغرورين ، الذين زين لهم الشيطان سوء أعمالهم - ولكنه عندما تراءى الجمعان نكص على عقبيه - والذين سيكون مصيرهم الهزيمة في الدنيا ، والعذاب المهين في الآخرة بسبب كفرهم بآيات اللَّه ، وإيثارهم الضلالة على الهداية . قال - تعالى - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا ، واذْكُرُوا اللَّه كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . وأَطِيعُوا اللَّه ورَسُولَه ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ واصْبِرُوا إِنَّ اللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ . ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً ورِئاءَ النَّاسِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه ، واللَّه بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ . وإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وإِنِّي جارٌ لَكُمْ ، فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْه وقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ ، إِنِّي أَخافُ اللَّه ، واللَّه شَدِيدُ الْعِقابِ . ( ح ) ثم تمضى السورة الكريمة في تصوير رذائل الكافرين ، وفي تشجيع المؤمنين على قتالهم ، وإعداد العدة لدحرهم وتشريدهم ما داموا مستمرين على كفرهم وخيانتهم . . ، فإن جنحوا للسلم . ومالوا إلى المصالحة والمهادنة فاقبل منهم ذلك - أيها الرسول الكريم ،