سيد محمد طنطاوي

11

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

سنة رسوله . . وحذرتهم من أن تشغلهم أموالهم وأولادهم عن طاعة اللَّه وعن أداء واجباته . ثم بشرتهم في النداء الخامس بأنهم إذا ما اتقوا اللَّه حق تقاته ، فإنه - سبحانه - سيرزقهم الهداية والنصر والنجاة من كل مكروه . تدبر معي - أخي القارئ - هذه النداءات ، وما اشتملت عليه من توجيهات سامية وإرشادات عالية ، حيث يقول - سبحانه - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبارَ . . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه ورَسُولَه ولا تَوَلَّوْا عَنْه وأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ . . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّه ولِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ . . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّه والرَّسُولَ وتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ . . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّه يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ويُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ . . ( ه ) ثم أخذت السورة بعد ذلك في تذكير المؤمنين بنعم اللَّه عليهم ليزدادوا له شكرا ، وفي تصوير ما عليه الكافرون من جهل وعناد وخسران . فحكت ما قالوه في شأن القرآن من كذب ومكابرة . وحكت استهزاءهم بالدين ، وإمعانهم في الجحود ، وتعجلهم للعذاب . . وحكت ما كانوا يقومون به من تصفيق ولغو عند قراءة القرآن ، حتى يشغلوا الناس عن سماعه . . وحكت مسارعتهم إلى إنفاق أموالهم ، لا في وجوه الخير ، ولكن في وجوه الشر التي ستكون عاقبتها الخسران وسوء المصير . وبعد أن حكت كل هذه الرذائل عن الكافرين ، أمرت الرسول صلى اللَّه عليه وسلم أن يبلغهم أنهم إذا ما انتهوا عن كفرهم وعنادهم ، فإن اللَّه - تعالى - سيغفر لهم ما سلف من ذنوبهم . أما إذا استمروا في طغيانهم وجحودهم ، فستدور الدائرة عليهم . قال - تعالى - : وإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ، ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّه ، واللَّه خَيْرُ الْماكِرِينَ . وإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا ، لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا ، إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ . وإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ . وما كانَ اللَّه لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ ، وما كانَ اللَّه مُعَذِّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ .