سيد محمد طنطاوي

17

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فيضيء الليل البهيم ، ولكنه رأى القمر - أيضا - يأفل ويغيب فأعرض عن اتخاذه إلها والتمس من الإله الحق أن يهديه إلى الصراط المستقيم . فلما أصبح الصباح ورأى الشمس وقد أشرقت وعم ضوؤها الآفاق قال : هذا رَبِّي لأنها أكبر مصادر الضوء ، فلما غابت الشمس أدرك بفطرته السليمة أن الإله لا يغيب ولا يكون شيئا محسوسا ، فقرر البراءة من الشرك ، واتجه إلى الخالق الحق الذي تدل آثاره على وجوده وعلى مخالفته لمخلوقاته فقال : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأَرْضَ حَنِيفاً وما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . ثم أخذ بعد ذلك يجادل قومه ويرشدهم إلى الصراط المستقيم ، ويقيم لهم الأدلة على بطلان معتقداتهم . تأمل معي - أيها القارئ الكريم - تلك الآيات الكريمة التي تحكى كل هذه المعاني بأسلوبها البديع فتقول : وإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لأَبِيه آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً ، إِنِّي أَراكَ وقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأَرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْه اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي ، فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي ، فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ ، فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأَرْضَ حَنِيفاً وما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . ثم مضت السورة الكريمة في الحديث عن رسل اللَّه الذين آتاهم اللَّه الحجة على أقوامهم ، وختمت الحديث عنهم بالثناء عليهم ووجوب الاقتداء بهم في هديهم وسلوكهم . أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ والْحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ، فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّه فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْه أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ . وبعد هذا القصص المذكر ، والتوجيه المنبه ، والتدليل الواضح على وحدانية اللَّه وقدرته ساقت لنا السورة في الربع السادس منها حشودا متنوعة من مظاهر قدرة اللَّه ومن نعمه التي لا تحصى على عباده . إنها هنا توقفنا أمام هذا الكون الرائع البديع لتقول لنا : انظروا ماذا في السماوات والأرض ، ثم اتجهوا بالعبادة والخضوع إلى اللَّه رب العالمين ، فهو الذي فلق الحب فكان منه النبات ، وفلق النوى فكان منه الشجر ، وهو الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ، وهو الذي يأتيكم بالضياء بعد الليل المظلم لكي تبتغوا من فضله ، ويأتيكم بالليل بعد النهار لكي تسكنوا فيه بعد طول الكدح والعناء ، وهو الذي يسير الشمس والقمر بتقدير