سيد محمد طنطاوي
18
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
دقيق وحساب لا يتخلف ، وهو الذي زين السماء بالنجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ، وهو الذي أوجدكم جميعا من نفس واحدة لها مستقر في أصلاب الرجال ومستودع في أرحام النساء ، وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرج به نبات كل شيء . لأن الماء قوام الحياة . استمع إلى القرآن وهو يحكى كل هذه النعم الدالة على قدرة اللَّه وفضله فيقول : إِنَّ اللَّه فالِقُ الْحَبِّ والنَّوى ، يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ، ومُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ، ذلِكُمُ اللَّه فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فالِقُ الإِصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً والشَّمْسَ والْقَمَرَ حُسْباناً ، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ والْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ وهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِه نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْه خَضِراً نُخْرِجُ مِنْه حَبًّا مُتَراكِباً ومِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ والزَّيْتُونَ والرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وغَيْرَ مُتَشابِه ، انْظُرُوا إِلى ثَمَرِه إِذا أَثْمَرَ ويَنْعِه ، إِنَّ فِي ذلِكُمْ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . وبعد أن ساق القرآن كل هذه النعم التي أسبغها اللَّه على الناس ، والتي من شأنها أن تجعلهم يخصونه بالعبادة والاستعانة ، بعد كل ذلك صرح بأنه - مع كل هذه النعم - أضحى الكثيرون من خلقه يشركون معه آلهة أخرى ، ويزعمون أن له بنين وبنات . ولقد رد القرآن على هؤلاء الجاحدين بالحجة البالغة التي تدمغ باطلهم وتخرس ألسنتهم ، وتنزه الخالق - عز وجل - عما قالوه وافتروه بغير علم فقال : وجَعَلُوا لِلَّه شُرَكاءَ الْجِنَّ وخَلَقَهُمْ وخَرَقُوا لَه بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، سُبْحانَه وتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّماواتِ والأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَه وَلَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَه صاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . ذلِكُمُ اللَّه رَبُّكُمْ لا إِله إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوه وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ . لا تُدْرِكُه الأَبْصارُ وهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ وهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . ثم تتابع في الربع السادس منها حديثها عن المكابرين الذين لم يكتفوا بالقرآن معجزة للنبي صلى اللَّه عليه وسلم ، بل طلبوا منه - على سبيل التعنت - معجزات أخرى حسية ، فتحكى السورة أقوالهم وترد عليهم بما يفضح أكاذيبهم ، لأنهم لعنادهم وجحودهم لو أن اللَّه - تعالى - أجاب لهم مطالبهم ما كانوا ليؤمنوا ، إذ هم لا تنقصهم الآيات الدالة على صدق النبي صلى اللَّه عليه وسلم وإنما الذي ينقصهم هو القلب المنفتح للحق ، والنفس المتقبلة للهداية . قال تعالى : وأَقْسَمُوا بِاللَّه جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها ، قُلْ إِنَّمَا الآياتُ عِنْدَ اللَّه ، وما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ونُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِه أَوَّلَ مَرَّةٍ