سيد محمد طنطاوي

96

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ما لا يليق بعظمته - سبحانه - . قال الآلوسي : ما ملخصه : قوله - تعالى - : « ومرادهم بالأبناء : المقربون . أي نحن مقربون عند اللَّه - تعالى - قرب الأولاد من والدهم . ومن مرادهم بالأحباء : جمع حبيب بمعنى محب أو محبوب . ويجوز أن يكون أرادوا من الأبناء الخاصة ، كما يقال : أبناء الدنيا وأبناء الآخرة . ويجوز أن يكونوا أرادوا بما قالوا أنهم أشياع وأتباع من وصف بالبنوة . أي قالت اليهود : نحن أشياع ابنه عزير . وقالت النصارى : نحن أشياع ابنه عيسى . وأطلق الأبناء على الأشياع مجازا إما تغليبا أو تشبيها لهم بالأبناء في قرب المنزلة . وهذا كما يقول أتباع الملك : نحن الملوك . وقيل الكلام على حذف المضاف . أي : نحن أبناء أنبياء اللَّه - تعالى - وهو خلاف الظاهر . ومقصود الفريقين بقوله - تعالى - حكاية عنهم * ( نَحْنُ أَبْناءُ اللَّه وأَحِبَّاؤُه ) * هو المعنى المتضمن مدحا ، وحاصل دعواهم أن لهم فضلا ومزيد عند اللَّه - تعالى - على سائر الخلق » « 1 » . والمعنى : وقالت طائفة اليهود التي تزعم أنها شعب اللَّه المختار ، وقالت طائفة النصارى التي تزعم أنها على الحق دون غيرهم قالت كل طائفة منهما : نحن في القرب من اللَّه - تعالى - بمنزلة أبنائه المدللين ، وأحبائه المختارين ، فلنا من الفضل والمنزلة والتكريم ما ليس لغيرنا من البشر . والذي حملهم على هذا القول الباطل ، جهلهم بما اشتملت عليه كتبهم ، وتخبطهم في الكفر والضلال وفهمهم السقيم لمعاني الألفاظ . قال ابن كثير : « ونقلوا عن كتبهم أن اللَّه - تعالى - قال لعبده إسرائيل : أنت ابني بكرى . فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه . وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلَّم من عقلائهم . وقالوا هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام . كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم . إني ذاهب إلى أبى وأبيكم ، يعنى : ربي وربكم . ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى - عليه السلام - وإنما أرادوا بذلك معزتهم لديه ، وحظوتهم عنده ، ولهذا قالوا : * ( نَحْنُ أَبْناءُ اللَّه وأَحِبَّاؤُه ) * « 2 » . وعطف - سبحانه - قولهم : * ( وأَحِبَّاؤُه ) * على قولهم * ( نَحْنُ أَبْناءُ اللَّه ) * للإشارة إلى غلوهم في الجهل والغرور ، حيث قصدوا أنهم أبناء محبوبون وليسوا مغضوبا عليهم من أبيهم بل هم محل رضاه وإكرامه . وقد أمر اللَّه - نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يرد عليهم بما يكبتهم فقال : * ( قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ) * .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 100 ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 34 طبعة عيسى الحلبي .