سيد محمد طنطاوي
97
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والفاء في قوله * ( فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ ) * للافصاح ، لأنها تفصح عن جواب شرط مقدر أي : قل يا محمد لهؤلاء المغرورين ، إن كان الأمر كما زعمتم من أنكم أبناء اللَّه وأحباؤه فلأي شيء يعذبكم إذ الحبيب لا يعذب حبيبه . وإن واقعكم يا أهل الكتاب يناقض دعواكم ، فقد عذبكم - سبحانه - في الدنيا بسبب ذنوبكم بالقتل والأسر والمسخ وتهييج العداوة والبغضاء بينكم إلى يوم القيامة . أما في الآخرة فإن كتبكم التي بين أيديكم تشهد بأنكم ستعذبون في الآخرة على ما تقترفون من آثام في دنياكم . وقد أقر اليهود بأن العذاب سيقع بهم - في زعمهم - أياما معدودات في الآخرة وحكى القرآن عنهم ذلك في قوله - تعالى - وقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً : وأقر النصارى بأن اللَّه - تعالى - سيحاسب الناس يوم القيامة ، وسيجازى كل إنسان على حسب عمله إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . قال القرطبي : « رد اللَّه عليهم قولهم فقال : * ( فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ) * فلم يكونوا يخلون من أحد وجهين ، إما إن يقولوا هو يعذبنا ، فيقال لهم : فلستم إذا أبناءه ولا أحباءه فإن الحبيب لا يعذب حبيبه . وأنتم تقرون بعذابه ، فذلك دليل على كذبكم - وهذا هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف - أو يقولوا : لا يعذبنا فيكذبوا ما في كتبهم ، وما جاءت به رسلهم . ويبيحوا المعاصي وهم معترفون بعذاب العصاة منهم ، ولهذا يلتزمون أحكام كتبهم » « 1 » وقوله : * ( بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ) * رد على أصل دعواهم الباطلة ، وبيان لما هو الحق من أمرهم وهو معطوف على كلام مقدر . أي : ليس الأمر كما زعمتم يا معشر اليهود والنصارى من أنكم أبناء اللَّه وأحباؤه ، بل الحق أنكم كسائر البشر من خلق اللَّه . فإنكم إن آمنتم وأصلحتم أعمالكم نلتم الثواب من اللَّه ، وإن بقيتم على كفركم وغروركم حق عليكم العقاب ، وليس لأحد فضل على أحد إلا بالإيمان والعمل الصالح . قال أبو حيان قوله : * ( بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ) * إضراب عن الاستدلال من غير إبطال له إلى استدلال آخر من ثبوت كونهم بشرا من بعض خلقه ، فهم مساوون لغيرهم في البشرية والحدوث ، وهما يمنعان البنوة ، فإن القديم لا يلد بشرا ، والأب لا يخلق ابنه ، فامتنع بهذين الوجهين البنوة . وامتنع بتعذيبهم أن يكونوا أحباء اللَّه ، فبطل الوصفان اللذان ادعوهما » « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 120 ( 2 ) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج 2 ص 451