سيد محمد طنطاوي
88
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقال ابن كثير : قوله - تعالى - : * ( فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِه فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ والْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) * أي : فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضا ، ولا يزالون كذلك إلى يوم قيام الساعة . وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين يكفر بعضهم بعضا ، ويلعن بعضهم بعضا ، فكل فرقة تحرم الأخرى ولا تدعها تلج معبدها . فالملكانية تكفر اليعقوبية ، وكذلك الآخرون . وكذلك النسطورية الآريوسية كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد » « 1 » . والذي تطمئن إليه النفس أن قوله - تعالى - * ( فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ والْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) * يشمل ما بين اليهود والنصارى من عداوة ظاهرة مستحكمة يراها الرائي في كل العصور والأزمان ، كما يشمل ما بين فرق النصارى من اختلاف وتباغض وتقاتل بسبب عقائدهم الزائغة وأهوائهم الفاسدة . وما نراه من تصارع وتقاتل بين طائفتى الكاثوليك والبروستانت في . إيرلاندا وفي غيرها خير شاهد على صدق القرآن الكريم ، وأنه من عند اللَّه - عز وجل - وقوله - تعالى : * ( وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّه بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ) * بيان لسوء عاقبتهم في الآخرة بعد بيان ما حكم به عليه في الدنيا من عداوة وبغضاء . و * ( سَوْفَ ) * هنا لتأكيد الخبر وتقويته وبيان أنه وإن تأخر آت لا محالة . والمعنى : لقد ألقينا العداوة والبغضاء بين هذه الطوائف الضالة وسوف يخبرهم اللَّه في الآخرة بما كانوا يصنعونه من كتمان الحق ، ومخالفة للرسل ، وانغماس في الباطل ، وسيجازيهم على كل ذلك بما يستحقون من عذاب شديد . وبعد أن بين - سبحانه - بعض الرذائل التي انغمس فيها اليهود والنصارى . وجه إليهم نداء دعاهم فيه إلى الدخول في الدين الحق الذي جاء به محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : تعالى :
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 33 .