سيد محمد طنطاوي

89

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 15 إلى 16 ] يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ ويَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّه نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ ( 15 ) يَهْدِي بِه اللَّه مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَه سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِه ويَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 16 ) والمعنى : * ( يا أَهْلَ الْكِتابِ ) * من اليهود والنصارى * ( قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا ) * محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم * ( يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ ) * أي : يظهر لكم كثيرا من الأحكام والمسائل التي ذكرتها كتبكم وكتمتموها عن الناس ، كإخفائكم صفة النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم التي تجدونها في التوراة والإنجيل وكتمانكم ما جاء فيها من بشارات تبشر به . وغير ذلك من الأحكام التي أخفاها علماؤكم عن العامة ، وتولى الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إعلانها إظهارا للحق ، ووضعا للأمور في نصابها . وقوله : * ( ويَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ) * أي : يعرض ولا يظهر كثيرا مما كنتم تخفونه ، لأنه لا ضرورة تدعو إلى بيانه ، ولا فائدة تعود على الناس من وراء إظهاره ، ففي السكوت عنه رحمة بكم ، وصيانة لكم عن الافتضاح والمؤاخذة . يقال : عفا عن المذنب ، أي : ستر عنه ذنبه فلم يعاقبه عليه . والمراد بالكتاب في قوله * ( يا أَهْلَ الْكِتابِ ) * جنس الكتب ، فيشمل التوراة والإنجيل . وفي ندائهم بهذا الوصف حمل لهم على الدخول في الإسلام فإن علمهم بما في كتبهم من بشارات بالرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يدعوهم إلى الإيمان به . فإذا لم يؤمنوا به مع علمهم بأنه رسول صادق في رسالته كانت مذمتهم أشد وأقبح ، وكان عقابهم على كتمانهم الحق أعظم وأقسى . وكان التعبير بقوله - تعالى - * ( قَدْ جاءَكُمْ ) * للإشارة إلى أنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قد وصل إليهم ، ويعيش بينهم ، فهم يرونه ويراهم ، ويخاطبهم ويخاطبونه ، ليسمعوا منه ما يشهد بصدقه بدون حجاب أو وساطة . وفي التعبير بقوله - تعالى - * ( رَسُولُنا ) * تشريف للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حيث أضافه - سبحانه - إلى ذاته ، وفيه كذلك إيذان بوجوب اتباعه لأنه رسول مبلغ عن اللَّه - تعالى - ما يأمره بتبليغه بدون تغيير أو تبديل . والمراد بالكتاب في قوله : * ( تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ ) * التوراة والإنجيل . فقد امتدت أيدي اليهود والنصارى إلى هذين الكتابين فغيروا وبدلوا فيهما على حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم . وفي إظهار الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم للكثير مما كتموه ، وعفوه عن الكثير مما أخفوه ، معجزة له ، لأنه لم