سيد محمد طنطاوي

73

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والقسط : العدل يقال أقسط فلان يقسط إذا عدل في أقواله وأحكامه وقوله * ( ولا يَجْرِمَنَّكُمْ ) * أي : ولا يحملنكم من جرمه على كذا إذا حمله عليه أو معناه : ولا يكسبنكم من جرم بمعنى كسب غير أنه في كسب ما لا خير فيه ومنه الجريمة وأصل الجرم قطع الثمرة من الشجرة وأطلق على الكسب لأن الكاسب ينقطع لكسبه والشنآن : البغض الشديد . يقال : شنئت الرجل أشنؤه شنأ وشنأة وشنآنا ، إذا أبغضته بغضا شديدا . والمعنى . يا أيها الذين آمنوا بالحق إيمانا صادقا * ( كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّه شُهَداءَ بِالْقِسْطِ ) * أي . ليكن من أخلاقكم وصفاتكم أن تقوموا للَّه وحده بالحق في كل ما يلزمكم القيام به . ومن العمل بطاعته ، واجتناب منهياته ، وليكن من دأبكم وشأنكم - أيضا - أن تلتزموا العدل في شهادتكم ، ولا يحملنكم بغضكم الشديد لقوم على عدم العدل معهم ، فإن عدم العدل في الأقوال والأحكام يتنافى مع تعاليم دين الإسلام . الذي آمنتم به ، ورضيه اللَّه لكم دينا . وفي ندائه - سبحانه - بقوله : * ( كُونُوا قَوَّامِينَ ) * بصفة الكينونة الدالة على الدوام ، وبصيغة المبالغة الدالة على الكثرة . لتمكين صفة الطاعة له من نفوسهم ، وترسيخها في قلوبهم . فكأنه - سبحانه - يقول لهم : روضوا أنفسكم على طاعة خالقكم ، وعودوها على التزام الحق والعدل . واجعلوا ذلك شأنكم في جميع الظروف والأحوال فلا يكفى أن تلتزموا الطاعة والعدل مرة أو مرتين ، وإنما الواجب عليكم أن يكون التزامكم لذلك في كل أوقاتكم وأعمالكم . وقوله : * ( اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ) * تصريح بوجوب العدل بعد ما علم من النهى عن تركه في قوله * ( ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا ) * للتأكيد على وجوب التزامهم بما أمرهم - سبحانه - به وما نهاهم عنه ، ولبيان العلة في تكليفهم بذلك . والضمير * ( هُوَ ) * يعود إلى المصدر المفهوم من قوله : * ( اعْدِلُوا ) * . أي : التزموا - أيها المؤمنون - العدل في كل أحوالكم ، فإن العدل مع الأعداء ومع غيرهم أقرب إلى اتقاء المعاصي ، وإلى صيانة النفس عن الوقوع في المهالك . وقال - سبحانه * ( اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ) * مع أن العدل دليل التقوى ولبابها لأن المؤمن في حال حربه وتعامله مع عدوه قد يرى أن من التقوى أن يستبيح ما له ، وأن يأخذ منه ما يمكن